فصل رابع
لقد أحضرت لك أزهار النرجس يا روري . وجثت على الأرض ، ثم أخرجت قبضة من الأزهار تنثرها على ضريح زوجها وهي تتابع قولها : - أنها أول ظهورها هذه السنة ، ووضعت راحتيها فوقها تمنع الريح من أن تعصف بها وهي تشعر بغصة في حلقها . لقد كانا ، هي و روري ، قد تزوجا في شهر شباط ( فبراير ) . وأثناء السبع سنوات التي أمضياها معاً ، كان يحضر إليها في هذا الشهر من كل عام ، هذه الأزهار من حديقة منزلهما برواش . وكانت هذه الأزهار الجميلة ، التي يبدأ بها الربيع ، قد أصبحت رمزاً لطهارة ووفاء حبهما ، وشعرت بالألم يلوي قلبها . من كان يفكر في أنها هي التي ستحضرها إليه يوماً ما ... وبهذه السرعة؟؟ .
وعادت تقول : - لقد ذهب الفتيان في رحلة بحرية بعيدة ، يا عزيزي . وكان صوتها الآن قد أصبح مجرد همس خافت تكاد الريح أن تبدده حتى قبل أن تتلفظ به بينما كانت تتابع قائلة : - وقد تدبرت هذه السنة أن يأخذ كيلتي عطلة من مدرسته ليتمكن من الذهاب معهم هو أيضاً . وقد جاءت الحافلة لنقلهم هذا الصباح وكان الجو ما يزال معتماً . وستكون برواش هادئة من دونهم أثناء الأسابيع الثلاثة القادمة ... إذ لن يبقى سواي والكلب شادو .
وعقدت ذراعيها أمام صدرها بشدة ، وهي ترتجف وتبتلع الغصة في حلقها ، لتتابع هامسة : - أواه ، يا روري ، لقد كانت السنة الماضية شديدة علي من دونك ..
وخاطبت نفسها ، مغالبة دموعها ، كلا ، يجب أن لا أبكي . علي أن أكون شجاعة وسأتابع طريقي .
واستقامت في وقفتها ببطء وهي تمسح دموعها التي كانت تهدد بالتدفق ، وتابعت تخاطبه قائلة بصوت أبح : - إن هناك أموراً علي أن أبت فيها يا روري . وقد نويت القيام بها في غياب الفتيان ، ولكنني لن أتحدث عن ذلك اليوم . عندما أفكر بها ملياً ، سأعود إليك لأخبارك بكل شيء . أما الآن ، فعلي أن أذهب إذ أن شقيقتي كيلا وزوجها آدم سيحضران للغداء ، ولدي عمل كثير ... إلى اللقاء في المرة القادمة . ومرت بأطراف أناملها المثلجة على حجارة الضريح بكل رقة وكأن الحجارة تشعر لتقف بعد ذلك عدة لحظات مغمضة العينين . وأخيراً استدارت مبتعدة لتعود في نفس الطريق الضيق الذي جاءت منه .
وعندما استدارت حول السياج ، سمعت صوت محرك سيارة خارج بوابات المقبرة وبعد ذلك بلحظات سمعت صوت انسحاق الحصى تحت عجلات السيارة التي كانت تبتعد . وفكرت هي بأنها لا بد أن تكون سيارة ذلك الرجل الأسمر ....
كم كان يبدو غريباً عن مكان كهذا في ملابس المدينة البالغة الأناقة . وكانت قد توقعت أن تجد المقبرة خالية لنفسها ، ما جعلها تجفل لرؤيته ... فقد كان أسمر اللون مطيلاً التفكير والتأمل وكأنه أحد أبطال الروايات ، إن من الغريب أن يختار يوماً عاصفاً كهذا اليوم ، لكي يأتي متفحصاً مقبرة قديمة .
ومع هذا ، فقد كان يبدو عليه الضياع ... والوحدة ... وتمنت لو أمكنها معرفة سبب الخطوط الممتلئة مرارة والتي تلوي ملامحه الهضيمة ، وتسأله عما سبب له الألم في الماضي ، ومن الذي تسبب له في أن ينظر إلى الحياة بمثل تلك العينين الفارغتين الكئيبتين .
ولكنها ما لبثت أن تنهدت بيأس ساخر وهي تردع نفسها قائلة ، أواه يا نيرن ، ألا تكفيك همومك ومشكلاتك ، لكي تحاولي التدخل في هموم الآخرين ومشكلاتهم؟ .
وحنت رأسها مقابل المطر المصحوب بحبوب البرد ، ثم اتجهت إلى كلبها الأسود الذي كان ينتظرها بصبر ، وهي تخاطبه قائلة : - هيا بنا الآن ، يا شادو .
وسرعان ما اتجهت إلى منزلها ، موسعة من خطواتها لكي تلحق برفيقها الذي كان يقفز مسرعاً أمامها . كانت كيلا ( أختها ) تغسل آخر كوب بلوري ، ثم تنشفه بعناية وهي تخاطبها قائلة : - إن الروستو الذي صنعته يا نير رائع ، كعادتك على الدوام . ثم وضعت الكوب في مكانه من خزانة المطبخ ، لتستدير نحو شقيقتها نيرن التي كانت تضع صينية صغيرة في مكانها ، فأمسكتها من كتفيها موجهة إياها نحو الباب وهي تقول : - والآن اذهبي وابقي مع آدم فأنكما لم تتحدثا معاً منذ أجيال ... أما أنا فسأضع القهوة . هل علي أن أضع معها شيئاً من البسكويت؟ . فأجابت نيرن : - لقد صنعت امس نوعا من الكعك ستجدينه في ... فقاطعتها كيلا : - كعك ؟ آه سيسر ذلك كاتريونا كثيرا فهي تحب الكعك الذي تصنعينه انها ستكون هنا بعد قليل .. فقاطعتها نيرن قائلة : - هل هي آتية الى هنا ؟ لمَ لم تخبريني بذلك يا كيلا ؟ كنت اظن ان الاولاد سيبقون في المنزل بحراسة مولي ؟ فحدقت كيلا في شقيقتها قائلة : - ولكنني سبق واخبرتك بذلك . الم تتلقي رسالتي عن ذلك في جهاز حفظ الرسائل في هاتفك ؟ لقد اتصلت بك بعد ظهر ، ولكنني لم اجدك .. فقالت نيرن : - لقد ذهبت الى المقبرة فقالت كيلا : - نعم هذا ما ظننته عندما لم اجدك وهكذا تركت لك رسالة قلت لك فيها ان امي وابي سيأخذان كيفين وكاتريونا الى الحديقة العامة لكي يحضرا حفلة الاحد ثم تحضرهما معلمتهما بعد ذلك الى هنا . فقطبت نيرن جبينها قائلة : - ولكنني لم اتلق اي رسالة هذا غريب لقد تفقدت آلة الهاتف طبعا ، بعد عودت من المقبرة ولكنني لابد نسيت ان افتحها على الهاتف قبل خروجي وهكذا لم