فصل ثالث
جنونية لا شعورية ، أن هذا الصوت قد جاءه من أعماق الضريح .. واستدار فجأة ، وهو مازال تحت تأثير الصدمة ، ليعود إليه رشده بشيء من الارتياح وهو يرى أن مصدر الصوت لم يكن شبحاً وإنما شخصا ً من لحم ودم كان واقفاً خلفه . إ مرأة شابة ممشوقة القوام ترتدي معطفاً لونه بيج من الصوف الطبيعي ، وحذاء بنياً عالي الكعب . و كان شعرها مغطى بعصابة عريضة مربوطة تحت ذقنها ، تحيط حواشيها الحريرية بوجه بيضاوي رقيق الملامح ذي لون عاجي شفاف تقريباً. وكان التعب يبدو منهما وهي تنظر إليه بقلق .
وعادت تقول وهي تحني كتفيها توقياً للريح : - هل أنت بخير ؟ كنت أتساءل عما ....
فقال بشيء من العنف سببه ظهورها المفاجئ و شعوره بالمرارة : - طبعاً أنا بخير . وشعر بالأسف للهجته تلك وهو يخاطبها ، فعاد يقول ملطفاً من لهجته : - ولم لا أكون كذلك ؟
فنظرت إليه بعينيها تلك الكثيفتـين الأهداب ، وهي تقول بهدوء : - لقد رأيتك تنظر إلى ضريح هازيل . هل كنت تعرفها ؟
هل كان يعرفها حقاً ؟ فكر بذلك بهزء . كلا لم يكن يعرفها بل أنه لم يعرفها قط . وهز كتفيه متجنباً الإجابة عن هذا السؤال الصريح ، بقوله : - إنني مهتم بالمقابر القديمة .
وقبل أن تستمر في توجيه الأسئلة ، غير من الموضوع بقوله : - إنني أفكر في البقاء في هذه المنطقة عدة أيام ، فهل بإمكانك أن ترشديني إلى فندق جيد ؟
فقطبت حاجبيها قليلاً ، ورآها تلقي نظرة متفحصة سريعة على معطفه الثمين وبنطلونه الأنيق المفصل على احدث طراز ، وعلى حذائه الإيطالي اليدوي الصنع ، ثم تقول : - انك لن تجد فندقاً مناسباً في غلينكريغ ، ولكن هنالك فندقاً صغيراً ممتازاً يطل على الوادي على بعد أربعين ميلاً من هنا اسمه هيذرفيو لا يمكن للنظر أن يخطئه . وهو يقع في آخر الأرض المخضرة .
فقال : - أشكرك
وعندما استدار ليبتعد ، لاحظ بشيء من الفضول ، أنها كانت تحتضن بإحدى ذراعيها شيئاً كانت تحاول أن تحميه من الريح ورأته ينظر إلى ما تحمل ، فلاحت على شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تقول : - أنها أزهار النرجس ، أحملها إلى ضريح زوجي ... فقد كانت أزهار روري المفضلة .
ورفعت عينيها إلى عينيه وهي تتابع قائلة : - لقد قتل ، هو و هازيل في نفس حادث الاصطدام ... إذ اندفعت شاحنة كبيرة وسط مجموعة من الناس في الشارع العام فمات اثنان منهم على الفور ، وجرح ستة آخرون ... كان بينهم زوج هازيل الذي أصيب برأسه وأمضى عدة اشهر غائباً عن الوعي قبل أن يموت ، لقد استرد وعيه قبل النهاية مباشرة ، حيث رجونا جميعاً أن يكون قد شفي أخيراً وذلك لأجل كيلتي ، ولكن ... فقال يسألها : - كيلتي ؟
فأجابت : - أنه في الرابعة عشرة من عمره ويقترب من عامه الخامس عشر ، وهو الآن يعاني من صعوبة الحياة فقد كان فقده لوالديه معاً شيئاً مؤلماً للغاية ، كما أن ..
وسكتت فجأة ثم تجهم وجهها وهي تتابع قائلة : - إنني آسفة ، فهذا شيء لا يهمك ما دمت لا تعرف هازيل . وأنا استمر هكذا في الثرثرة بينما أنت تقف في هذا البرد .أنه يوم غير مناسب لكي يخرج المرء من بيته . أرجو أن يعجبك الفندق .
وعندما استدارت لتتابع طريقها ، حركت الريح العصابة التي تغطي شعرها ، لتكشف عنه قليلاً ، ما جعله يلمح لون شعرها البني الفاتح المائل للحمرة ، قبل أن تعيد العصابة عليه وبحركتها تلك ، عبقت رائحة خفيفة لعطر ذكي الرائحة ، للحظة واحدة ، قبل أن تبددها الريح . ورفعت يدها تلوح له بها ببساطة ، وهي تبتسم بمودة ، ثم تستدير مبتعدة سائرة في ذلك الممر الضيق بخطوات رشيقة مليئة بالحيوية . وبعد لحظات كانت قد استدارت حول منعطف حيث اختفت عن الأنظار خلف سياج عال من الأشجار المشذبة .
رفع ستروم غالبريث ياقة معطفه ، ثم ودون مبالاة بالمطر المصحوب بالثلج يتساقط على وجهه ، عاد يحدق في الحجر الصواني المتواضع دون أن يراه هذه المرة وقد نسي تلك المرأة الغريبة إنما كلماتها مازالت تتردد في ذهنه ...
كيلتي ... أذن فقد منح البعض ذلك الصبي اسماً وربماً كان ذلك أثناء طفولته ، ليلتصق به بعد ذلك .. كعادة الألقاب في هذا الجزء من العالم . وبانت الرقة في ملامحه وهو يحاول أن يبتسم ، ولكن قبل أن تصل الابتسامة تلك إلى عينيه ضغط شفتيه بقوة . لقد جاء إلى هنا ليرى الصبي و هذا هو كل شيء .. لتحقق من أن الصبي هو ابنه حقاًً . فإذا هو اقتنع بذلك ، فسيرى محاميه عند عودته إلى لندن ، ومن ثم يغير وصيته جاعلاً من هذا الغلام ، كيلتي ، وريثاً له فهذا ما يتوجب عليه عمله . ولكن هذا كان الشيء الوحيد الذي سيقوم به . فهو لن يكشف الأمر للغلام فيعلمه بأنه أبوه . لم يكن هناك مقام في حياته لأسره .. لأناس أخريين أو لتكوين مشاعر دافئة ، وبالتالي لتحمل الأحزان والآلام .
وأدار ظهره إلى ضريح المرأة التي احبها مرة ، وهو يفكر بمرارة ، في أن الحمقى هم وحدهم الذين يعرضون قلوبهم للأحزان والآلام .... أما هو ، فلم يعد أحمق