الفصل الأول
في إحدى الأمسيات المزدحمة بالحضور، كان الحفل الذي أقامه أدريان لا يُنسى. أدريان، رجل الأعمال الشهير الذي استطاع أن يجعل كل تفاصيل حياته تعكس صورة القوة والهيمنة، كان يعتاد دائمًا أن يكون مركز الانتباه. شخصيته النرجسية كانت تتناغم مع عالمه، حيث يدير مشاريعه بكفاءة، ومع ذلك كان يشعر دائمًا بأن هناك شيئًا ناقصًا في حياته. شيء كان بعيدًا عن متناول يده، شيء غامض يثير فضوله ويشد انتباهه.
خديجة، الكاتبة ذات الأصول العربية، كانت بين الحضور في تلك الليلة. هي ليست مجرد كاتبة عادية؛ بل هي واحدة من أشهر كتّاب الروايات الرومانسية، التي أخذت شهرة واسعة بفضل أسلوبها الفريد والعاطفي. ومع ذلك، خديجة كانت دائمًا تفضل البقاء خلف الكواليس. لم تكن تُظهر هويتها للعالم، وكانت تترك وكلاء أعمالها للتعامل مع قراءها. الجميع يعرف عنها، ولكن لا أحد يعرف من هي حقًا.
دخلت خديجة الحفل برفقة صديقتها بلقيس، التي كانت تحاول إقناعها بحضور هذا الحدث الفاخر رغم ترددها المعتاد. وكان أدريان، الذي كان يحضر الحفل كما اعتاد في أي مناسبة، يلاحظ كل الحضور. لكنه شعر بشيء مختلف عندما وقع نظره على خديجة. لم يكن يعرف من تكون، ولكنه كان متأكدًا أنها شخص مميز. كانت نظراته تتبعها في كل مرة تتحرك فيها، وكأن هناك سحرًا يحيط بها. كانت خديجة تشعر بنظراته، لكنها كانت محافظة على هدوئها، مع تلك النظرة القوية ، حيث لا يعرف أدريان هوية خديجة ككاتبة مشهورة ويعتقد أنها مجرد صديقة بلقيس
كان أدريان، رغم شهرته الكبيرة، يعشق شيئًا بعيدًا عن عالم الأعمال الذي يديره. كان مولعًا بالقراءة، وبالأخص بروايات خديجة، تلك التي حققت شهرة واسعة في الأوساط الأدبية. كانت كتباتها الرومانسية تلامس القلوب وتثير مشاعر لا يمكن تجاهلها. ولكن، كان هنالك أمر لم يعرفه أحد: أنه لم يلتقِ أبدًا بخديجة.
في الحفل الذي أعده أدريان، كانت خديجة هناك، لكن لم يكن أحد يعرف عنها أكثر من كونها صديقة مقربة لبلقيس. كانت قد قررت الحضور بشكل شخصي، دون أن تعرف نفسها ككاتبة مشهورة، بل على أساس كونها صديقة بلقيس التي دُعيت إلى الحفل. وبذلك، لم يكن هناك ما يشير إلى هويتها الحقيقية أمام أدريان أو الحضور.
أدريان، الذي كان متعطشًا لرؤية الشخصيات التي يقرأ عنها في رواياته، كان يجد نفسه مشدودًا إلى خديجة بشكل غير مفسر. لم يكن يدرك أنها هي نفس الكاتبة التي ألهمته بعالمها الخاص، ورغم أنه كان مغرمًا بكل ما تكتبه، كان يراها الآن مجرد شخص عادي بين الحضور.
كانت خديجة تتمتع بجمال طبيعي لافت. شعرها الأسود اللامع كان يتدلى على كتفيها بأناقة، وعينيها اللتين كانت تلمعان كالنجوم في ضوء الحفل. لون بشرتها كان بين الضياء والسمرة، مائلًا إلى اللون القمحي الذي أضاف لها لمسة من الغموض والجمال الطبيعي. كانت غمازاتها تظهر كلما ابتسمت، مما جعل ملامح وجهها أكثر إشراقًا. لم يكن أدريان قادرًا على أخذ عينيه عنها، كان يراها تتمتع بجاذبية غير عادية، لكن في الوقت نفسه، كان هناك شيء غريب يجذب انتباهه في أسلوبها وتصرفاتها الهادئة والواثقة.
بينما كانت خديجة تتحدث مع بلقيس، لاحظ أدريان كيف كانت تحتفظ بهدوئها وسط الحشد. كانت هناك قوة داخلية في نظراتها، شيء لم يستطع تجاهله، لكنه لم يكن يعرف السبب. شعر بشيء غريب، شعور بالانجذاب، لكنه كان يحاول أن يُبقي على تصرفاته في إطار السيطرة. لم يكن يريد أن يظهر اهتمامه الشديد، لكن كانت تلك النظرات المتبادلة بينهما تثير في داخله شعورًا لا يمكن تفسيره.
بينما كانت خديجة ترافق بلقيس في أرجاء الحفل، كان أدريان يشعر بشيء عميق في قلبه، لكن غروره وعادته في التحكم بكل شيء منعته من الإفصاح عن مشاعره. على الرغم من أنه كان يراقبها عن كثب، لم يكن لديه أي فكرة أن هذه هي الكاتبة التي طالما قرأ أعمالها وأعجب بها. كانت خديجة تظل بعيدة عن الضوء، بعيدة عن تلك الهوية التي كانت قد جعلتها مشهورة. كانت تفضل أن تبقى في الخفاء، تاركةً أعمالها تتحدث عن نفسها.
وفي تلك اللحظة، عندما جمعتهما نظرات عابرة، شعر أدريان بشيء من الانبهار. كان يراها كأشخاص آخرين في الحفل، لكنها كانت تملك قوة هادئة تختلف عن أي شخص آخر قابلته من قبل. كان يراقب تصرفاتها، هدوءها، وطريقتها في التصرف بثقة، وكان يشعر بأن هناك شيئًا غير عادي يختبئ خلف ملامحها الهادئة.
لكنه، مثل عادته، لم يُظهر أي ضعف أو تعبير عن اهتمامه. كان يحاول أن يتصرف كما لو أن هذا الشخص لا يهمه، لكنه في داخله كان يشعر بشيء آخر. كان يعرف أنه يريد أن يعرفها أكثر، أن يكتشف تلك القوة الخفية التي جعلته ينجذب إليها بدون سبب واضح
ومع مرور الوقت، بدأ أدريان يشعر بأن هذا اللقاء لم يكن مجرد صدفة. شعر أنه كان هناك شيء يجذبه إليها أكثر من أي شخص آخر. لذلك قرر أن يتقرب منها بعد الحفل، ولدى مغادرتها، عرض عليها أن يوصلها إلى مكانها.
"هل تحتاجين إلى توصيل؟" سأل أدريان بابتسامة. "لقد رأيتكِ طوال الأمسية، ولا أظن أنكِ بحاجة إلى أن تواجهي هذه الزحمة وحدك." كانت خديجة في البداية مترددة، لكن صديقتها بلقيس رأت أنه عرض ليس له مثيل بعد لحظة من التفكير، وافقت. لكي لا تحرج صديقتها بعد قبولها بالإضافة كان شيء في داخلها يجعلها تشعر بأن هناك شيئًا ما خاصًا حوله، وكان فضولها قد بدأ يتسرب.
في طريقهما إلى السيارة، تبادلا الحديث بشكل خفيف، وكان أدريان يشعر بالراحة وهو يتحدث معها. لم يكن يعلم أنها كانت خديجة، الكاتبة المشهورة، ولكن كان هناك شيء في حديثها كان يثير اهتمامه. كانت خديجة تتحدث بثقة، مع تلك النظرة القوية التي أظهرت شيئًا من الجمال الداخلي الذي لا يستطيع أحد أن ينكره.
و بعد عودته لقصره الفخم دخل إلى مكتبته اقل القول عليها انها كانت راقية . قصد ادريان كتابا لطالما اعتبره خاصا كتابا يحمل طابعا من الغموض بدأ يقلب صفحاته للمرة الألف و لأول مرة يلاحظ رسالة مكتوبة بخط اليد"إلى كل من يقرأ كلماتي ولا يعرفني، أنتم السبب في كل حرف خطته يدي."قال لوهلة لو وافقت على لقائي لما تركتك حتى توافقي على حبي لك ، ذلك الحب الذي غرقت فيه بسبب روايتك
في اليوم التالي، قرر أدريان أن يذهب إلى مشروعه الجديد: المبنى المهجور الذي كان قد اشتراه لإعادة بنائه. كان هذا المبنى يشكل جزءًا من رؤيته المستقبلية لمشاريعه القادمة، وكان يحمل تاريخًا قديمًا جعله يتخيله مكانًا مثاليًا ليعيد له الحياة. بينما كان يتجول في المكان، كان يشعر بشيء غريب. كان يظن أنه قد يتواصل مع المكان، وكان يريد أن يكون هذا المشروع رمزًا للتجديد والإبداع. وبينما كان يقترب من إحدى الغرف المظلمة، شاهد شخصًا يقف هناك في الزاوية. كانت هي. خديجة.
"ماذا تفعلين هنا؟" سأل أدريان بدهشة، وكان يلاحظ كيف أن وجودها بين جدران هذا المبنى المهدم جعل كل شيء يبدو أكثر غموضًا.
"عادتا أجد الإلهام في هذا المكان. كنت أبحث عن الشغف لكي اتمم ما بدأته، لطالما كان هدا المبنى خلوتي ." ردت خديجة بهدوء، لكن في عينها كان هناك تحدٍ، كما لو كانت تعرف أكثر مما يظهر على السطح.
"إذا كنتِ مهتمة بالقصة هدا المبنى، يمكنني أن أخبرك الكثير عن المكان، عن تاريخه وعن خططي لإعادته إلى الحياة." قال أدريان، محاولًا أن يفتح لها نافذة جديدة. "هذا المكان مثل أي مشروع آخر بالنسبة لي، وأنا أؤمن بأن كل شيء يمكن إعادة بنائه."
لكن خديجة، التي كانت دائمًا تفضل الحفاظ على هويتها السرية، أجابت بابتسامة خفيفة: "أعتقد أن لكل شيء وقته. وربما يحتاج هذا المكان إلى وقت طويل ليكتشف نفسه."
كان أدريان يستمع إليها بحذر. تلك الكلمات كانت تعني أكثر مما يظن، وكان يشعر بأن هناك شيئًا عميقًا في حديثها يعكس شيئًا عن شخصيتها. كانت تتحدث كما لو كانت تعلم الكثير عن إعادة بناء الأشياء، سواء كانت أماكن أو حياة.
بينما كان أدريان يحاول الاقتراب منها أكثر، اكتشف شيئًا لم يكن قد لاحظه من قبل: خديجة كانت جزءًا من لغز لم يتمكن من حله. لكن رغم محاولاته المتكررة، لم تكن خديجة تتركه يقترب بسهولة. كانت تلك المسافة بينهما هي ما جعلها أكثر جذبًا بالنسبة له، وكان يعلم أنه قد يكون أمامه تحدٍ كبير إذا أراد أن يفهمها أكثر.
كما أن تلك الجلسة بين جدران المبنى المهدم كانت بمثابة بداية شيء جديد. أدريان، الذي كان يظن أنه قادر على السيطرة على كل شيء في حياته، بدأ يشعر بشيء مختلف. كأن خديجة، بكل غموضها وقوتها، تمثل له لغزًا قد لا يتمكن من حلّه بسهولة. ولكنه كان مصممًا على المضي قدمًا في اكتشافه.
تعليقاتكم أحبائي و رأيكم يهمني و انتقاداتكم هي أساس كتاباتي شكرا