وشم الظلام - الضياع - بقلم nada | روايتك

اسم الرواية: وشم الظلام
المؤلف / الكاتب: nada
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الضياع

الضياع

الليل كان باردًا. كنتُ أقف أمام باب المنزل، الحقيبة الصغيرة عند قدمي، والدموع متحجرةٌ في عينيّ. لقد طُردتُ. لم أكن أعرف إلى أين أذهب، ماذا أفعل، من أنا الآن بعد أن أصبحتُ وحيدة. أنا لستُ سوى طفلة. لكن العالم لم يهتم. العالم لا يهتم بالضعفاء. --- مشيتُ. حافية القدمين على الأرض الباردة، أدفع جسدي للأمام رغم الدموع التي لم تتوقف، رغم الألم في كل خطوة. كنتُ صغيرة، مرهقة، جائعة، لكنني كنتُ خائفة أكثر من أي شيء آخر. لماذا؟ لماذا تركوني؟ ترددتُ، عدتُ أدراجي، وقفتُ أمام المنزل من جديد، أبحث عن أي ضوء، عن أي علامة تدل على أنهم قد يفتحون الباب لي، أن أمي قد تعود، أن أبي قد يندم. لكن الأضواء كانت مطفأة. لم يكن هناك أحد. لقد انتهى الأمر. --- وهكذا بدأتُ بالتلاشي. لم أعد فتاةً مدللة، لم أعد الابنة الصغيرة التي تجري في المنزل وتضحك، لم أعد جزءًا من أي شيء. أصبحتُ مجرد طفلةٍ ضائعة، تتنقل من شارعٍ إلى آخر، تبحث عن مأوى، عن بقايا طعام، عن أي شيء يبقيها على قيد الحياة. ولم يكن العالم رحيمًا. --- مرّت الأيام، ثم الأسابيع، ثم الأشهر. في البداية، كنتُ أحاول الحفاظ على مظهري، كنتُ أغسل وجهي في مياه النافورات العامة، أرتب شعري بأصابعي المرتجفة، لكن ذلك لم يدم طويلًا. الجوع كان أقوى، البرد كان أقوى، الوحدة كانت كفيلة بقتل أي جزءٍ مني كان لا يزال يؤمن بأن هناك طريقًا للعودة. بدأتُ أتعلم كيف أختبئ، كيف أهرب من نظرات الناس، كيف أعيش في الظل حتى لا يراني أحد. كنتُ طفلة، لكنني شعرتُ أنني أعيش في عالم لم يُصنع لي. كنتُ أرى أطفالًا في مثل عمري يركضون نحو مدارسهم، يحملون حقائب ملونة، يضحكون مع آبائهم، يتشاجرون مع إخوتهم، يعيشون حياةً كنتُ أمتلكها يومًا ما. لكنني الآن... كنتُ مجرد شبحٍ يمشي بينهم. --- ثم جاء اليوم الذي تغير فيه كل شيء. كنتُ أجلس في أحد الأزقة الضيقة، ظهري مستندٌ إلى جدارٍ بارد، يداي مضمومتان حول ركبتيّ، أراقب الشارع بصمت. كان هناك مجموعة من الرجال يقفون عند زاوية الطريق، يتحدثون بصوتٍ منخفض. وجوههم قاسية، ملابسهم سوداء، نظراتهم كانت مختلفة... مخيفة. لكنني لم أتحرك. كنتُ قد فقدتُ الإحساس بالخوف منذ فترة. ثم، فجأة، بدأ أحدهم بالصراخ، رجلٌ آخر سقط على الأرض، وسمعتُ صوت الطلقات. صرخات. ركض. أناس يفرّون. لكنني كنتُ متجمدة، أراقب المشهد كما لو أنني منفصلة عنه. ثم، وبين الفوضى، التقت عيناي بعينين مختلفتين. رجلٌ يقف وسط كل هذا، مغطى بالدماء، لكن هدوءه كان مرعبًا. لم يكن يركض، لم يكن خائفًا، لم يكن حتى غاضبًا. لقد كان يراقبني. وكأنني أنا الشيء الوحيد الذي يثير فضوله وسط كل هذا الخراب. ثم، بخطواتٍ ثابتة، بدأ يتجه نحوي.