الفصل العشرون: الحقيقة الملعونة
بدأ ديناتسكي يقلب الأوراق بيدين مرتجفتين،
بينما اجتمع الجميع حوله في القبو المظلم ماعدا دالباي، تملأهم رهبة مما قد تكشفه هذه الوثائق.
وبعد لحظات من التمحيص، عثر على الوثيقة التي حملت عنوانًا مرعبًا: "الاتفاقية السرية لمشروع الحياة الممتدة". أخذ يقرأ بصوت متقطع، وصدى كلماته يتردد في أرجاء المكان الموحش«بناءً على التقدم المحرز في مجال الأحياء الجزيئية والطفيليات المتكافلة، توصلت اللجنة الطبية العليا إلى إمكانية تطوير تقنية فريدة لتمديد عمر الإنسان عبر استخدام كائنات طفيلية معدلة وراثيًا. تم تصميم هذه الطفيليات، والتي أُطلق عليها اسم "N-Phage"، لتحفيز عمليات التجديد الخلوي وتقليل معدل تحلل الأنسجة مع تقدم العمر. تهدف هذه التقنية إلى تأخير الشيخوخة وتعزيز وظائف الأعضاء الحيوية، مما قد يفتح آفاقًا جديدة للطب الحديث». كان المشروع الذي يعتقد الجميع أنه محاولة لإطالة العمر ليس إلا غطاءً زائفًا لتجربة أشد خطورة، أطلقوا عليها اسم "مشروع الفجر الأسود"، وهو تجربة مروعة تهدف إلى تطوير فيروس قادر على السيطرة العصبية، وتحويل البشر إلى مخلوقات طيعة خاضعة بالكامل لمنفذيه.
ارتجفت يد ديناتسكي وهو ينهي قراءة الوثيقة، بينما كانت عيون الناجين تائهة بين سطور الحقيقة القاتلة التي كُشفت أمامهم. لم يكن هذا الفيروس مجرد وباء خرج عن السيطرة... لقد كان سلاحًا، تجربة وحشية متعمدة.
كان هذا كله جزءًا من مخطط محكم، مخطط تجاوز حدود الجنون ذاته.
ساد الصمت القاتل بين الناجين، وكأن الهواء في القبو أصبح أثقل من أن يُستنشق. كانوا يحدقون في بعضهم البعض بعيون تحمل ألف سؤال، لكن الكلمات لم تكن تخرج بسهولة. أخيرًا، قطع ديناتسكي هذا السكون المخيف وهو يرفع الوثيقة المرتجفة بين يديه:
"هذا... هذا ليس مجرد وباء! كل ما حدث كان مخططًا له منذ البداية!"
نظر إليه بولطا بوجه متجمد، بينما تمتم انغريد بصوت مرتعش:
"يعني أنهم تعمدوا نشر الفيروس... كانوا يعلمون تمامًا ماذا سيحدث!"
ضرب هارولد الجدار بقوة، صوته كان مزيجًا من الغضب واليأس:
"هذا يعني أننا مجرد تجارب لهم... حياتنا لم تكن سوى أرقام في مختبراتهم اللعينة!"
أما فيوليت، فقد كانت تحدق في الوثائق بعينين واسعتين، همست وكأنها تحاول استيعاب الكارثة:
"إذا كانوا قد صنعوا هذا الفيروس... فلا بد أنهم صنعوا العلاج أيضًا."
رفع ديناتسكي رأسه ببطء، وقال بصوت حاسم:
"علينا أن نجد رئيس اللجنة. هو الوحيد الذي يملك العلاج."
نظر إليه الناجون بعيون تحمل بصيص أمل وسط هذا الجحيم، ثم أومأ بولطا موافقًا:
"إذا كان هناك علاج... فلن نخرج من هنا بدونه."
وافقه الآخرون واحدًا تلو الآخر. لم يعد لديهم خيار آخر، كان عليهم العثور على رئيس اللجنة بأي ثمن.
لكن وسط هذا التوتر، بدأ شيء آخر يحدث. شعر هارولد بحركة غريبة خلفه، فالتفت بسرعة ليرى دالباي جالسًا بصمت، وجهه متعرق، وعيناه غائمتان كما لو كان يحاول مقاومة شيء داخله. لاحظ هارولد أن شحوبًا غريبًا بدأ ينتشر في ملامحه، وكأن جلده بدأ يفقد لونه تدريجيًا. اقترب منه بخطوات مترددة، ثم التفت إلى والده قائلاً بقلق:
"أبي... مابه دالباي؟ هل حدث له شيء أثناء العودة؟"
نظر بولطا إلى دالباي، ثم أجاب بصوت حائر:
"لا... لم يحدث له شيء... على الأقل ليس أمامي!"
لكن هارولد لم يكن مقتنعًا، نظر إلى دالباي الذي كان يحاول التنفس بصعوبة، وكأن شيئًا غير مرئي يسحبه بعيدًا عن الواقع. ثم تمتم هارولد بقلق:
"يبدو أن حالته سيئة... هل يمكن أن يكون قد أُصيب؟"
كانت هذه الكلمة كفيلة بإثارة التوتر في المكان، التفت إليه بولطا بغضب:
"ما الذي تقوله؟! هل تعتقد أنه..."
لكن قبل أن ينهي كلامه، أدرك أن الأمر لا يمكن تجاهله. نهض بسرعة واتجه نحو دالباي، الذي بدأ جسده يرتجف بشكل لا إرادي. اقترب منه، وضع يده على كتفه، وسأله بحذر:
"دالباي... هل أنت بخير؟"
لم تكن هناك إجابة. لم يكن هناك سوى عيون زجاجية تحدق في الفراغ، وكأن شيئًا بداخله كان يحاول التمرد. بدأ جلده يكتسب لونًا رماديًا خفيفًا، وظهرت عروق داكنة تمتد تحت سطح بشرته، وكأن التحول قد بدأ ببطء، متسللًا إلى جسده كما تتسلل الظلال إلى النور.
صرخت فيوليت وهي تضع يدها على فمها، بينما ابتعد هارولد بخطوات مرتعشة. في تلك اللحظة، ركض ديناتسكي إلى حقيبته الطبية، ثم سحب بعض المعدات بسرعة، اقترب من دالباي، وضع سماعته على صدره، ثم همس بكلمات بالكاد خرجت من فمه:
"إنه... إنه مصاب."
ساد الذعر المكان، ارتجف إنغريد وهي يقول بصوت مخنوق:
"هذا يعني أنه سيتحول... يعني أنه... سيهاجمنا!"
نظر بولطا إلى دالباي بعينين واسعتين، لم يكن يستطيع استيعاب الفكرة. كيف؟ كيف حدث هذا دون أن يلاحظ أحد؟ هل أصيب أثناء القتال؟ أم أن الفيروس قد تسلل إلى جسده ببطء دون أن يظهر عليه أي أعراض؟
في خضم هذا الصراع الداخلي، كان هناك صوت واحد كسر الصمت، صوت هادئ لكنه غريب، كان تيمور يقف في الزاوية، يراقب الجميع بنظرة باردة، ثم تمتم:
"من أغلق عليكم الباب... يملك العلاج."
التفت الجميع نحوه بصدمة، وكأن كلماته حملت إجابة لم يكونوا مستعدين لسماعها.
يتبع....