الفصل الثالث: الحقيقة المدفونة
كانت شوارع إسطنبول تستيقظ ببطء، لكن "ريان" و"ليلى" لم يكونا في حالة تسمح لهما بالاستمتاع بصباح جديد.
بعد ليلة طويلة من الهروب، وجدا نفسيهما في مخزن قديم، محاطين بأرفف مليئة بالملفات والصناديق المغلقة.
ليلى جلست على الأرض، يداها ترتجفان، بينما كان ريان يقف بجانب النافذة، يراقب الشارع بحثًا عن أي حركة مشبوهة.
"علينا أن نعرف ما يوجد في هذه الشريحة." قالت ليلى أخيرًا.
ريان لم يلتفت إليها. فقط أجاب ببرود: "إذا كنا سنفتحها، فنحن بحاجة إلى مكان آمن وحاسوب غير متصل بالشبكة."
"أعرف شخصًا يمكنه المساعدة."
استدار نحوها ببطء. "من؟"
"رجل يُدعى يوسف. إنه خبير في القرصنة، ويمكنه فتح أي ملف مشفر."
"وهل تثقين به؟"
"ليس تمامًا، لكنه خيارنا الوحيد."
بعد ساعة، كانا يقفان أمام مقهى صغير في حيّ قديم. الداخل كان مزدحمًا بالزبائن، لكن ليلى قادت ريان إلى الباب الخلفي. طرقت ثلاث مرات، ثم وقفت تنتظر.
الباب انفتح قليلًا، وظهر رجل في الثلاثينات، يرتدي نظارات ويبدو عليه الإرهاق.
"ليلى؟ ماذا تفعلين هنا؟"
"نحتاج إلى مساعدتك، يوسف."
نظر إلى ريان بريبة، ثم فتح الباب على مصراعيه.
"ادخلوا بسرعة."
داخل غرفة صغيرة مليئة بالشاشات وأجهزة الكمبيوتر، جلس يوسف أمام مكتبه وأخذ شريحة الذاكرة من ليلى.
"ما الذي يوجد هنا بالضبط؟"
"لا نعرف، لكنها تسببت في مقتل الكثير من الناس الليلة الماضية." أجاب ريان.
يوسف لم يعلّق، فقط أدخل الشريحة في أحد الأجهزة، وبدأ في محاولة فك تشفيرها.
مرت دقائق ثقيلة، ثم ظهرت على الشاشة مجموعة ملفات معقدة مليئة بالأرقام والرموز.
"هذا ليس مجرد ملف عادي..." تمتم يوسف.
"ماذا تقصد؟" سألت ليلى بقلق.
"هذه بيانات سرية… عن عمليات تهريب أسلحة ضخمة، وعقود سرية بين مسؤولين كبار ومنظمات مشبوهة."
ريان ضيّق عينيه. "من المسؤول عن هذه الصفقات؟"
يوسف ضغط على بعض الأزرار، ثم ظهر اسم على الشاشة…
"كمال آيدن."
ليلى شهقت، بينما بقي ريان صامتًا.
"هذا مستحيل…" همست ليلى.
"من هو كمال آيدن؟" سأل ريان.
"إنه…" ترددت للحظة، ثم قالت: "إنه والدي."
ريان لم يبدُ مصدومًا، لكنه شعر بأن الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا.
"والدك متورط في تهريب الأسلحة؟"
"أنا لم أكن أعرف… لكنه كان دائمًا يتصرف بغموض. اختفى منذ أسابيع، ولم يخبرني أحد بمكانه."
يوسف كان يواصل البحث في الملفات. "هناك شيء آخر… هناك قائمة بأسماء الأشخاص الذين تمت تصفيتهم بسبب هذه العمليات."
ضغط على زر، وظهرت قائمة بالأسماء. كانت طويلة، لكن ريان توقف عند اسم واحد.
"إيلا ميرزا."
ليلى شهقت من جديد. "إنها أختي!"
ريان شعر ببرودة تتسلل إلى جسده. بدأ يفهم الآن لماذا كانت ملامح ليلى مألوفة… إنها تشبه المرأة التي قتلها قبل سنوات.
قبل أن يتمكن من استيعاب الأمر، سمعوا صوت سيارات تتوقف خارج المقهى.
يوسف نظر إلى الكاميرا المثبتة فوق الباب. "لدينا مشكلة. رجال مسلحون يحيطون بالمكان."
"هل هناك مخرج خلفي؟" سأل ريان بسرعة.
"نعم، لكنهم قد يكونون هناك أيضًا."
لم يكن هناك وقت للتفكير. ريان أمسك بمسدسه، نظر إلى ليلى وقال: "ابقِ خلفي."
أصوات الأقدام كانت تقترب. ثم فجأة، دوى صوت إطلاق نار، وبدأت النوافذ تتحطم.
يوسف اختبأ خلف الطاولة، بينما سحب ريان ليلى نحو المخرج الخلفي.
فتح الباب بحذر، لكن قبل أن يخرج، رأى رجلاً مسلحًا يقف هناك، مستعدًا لإطلاق النار.
لكن ريان كان أسرع. أطلق رصاصة أصابت الرجل في صدره، ثم اندفع خارجًا، ساحبًا ليلى معه.
ركضا عبر الأزقة، فيما كانت الطلقات تلاحقهما.
"إلى أين؟" صاحت ليلى.
"يجب أن نجد مكانًا للاختباء!"
لكنهما لم يصلا بعيدًا. فجأة، توقفت أمامهما سيارة، وخرج منها رجل ضخم البنية، يحمل سلاحًا، وعيناه تشتعلان بالغضب.
"انتهت اللعبة، ريان."
عرف ريان ذلك الصوت جيدًا. كان "عادل"، أحد القادة السابقين في المنظمة التي عمل معها.
"سلموا الشريحة، وقد نترككم أحياء."
ريان نظر إلى ليلى، ثم إلى الرجال الذين يحيطون بهما. كان القتال شبه مستحيل.
لكن فجأة، دوت طلقات نارية من الجهة الأخرى من الزقاق.
أحد الرجال سقط أرضًا، ثم آخر.
وفي ثوانٍ، ظهر يوسف، ممسكًا بسلاح، وصاح: "تحركوا الآن!"
لم يضيع ريان الفرصة. أمسك بيد ليلى، وركض باتجاه السيارة التي أحضرها يوسف. قفز إلى الداخل، ثم انطلقت السيارة بسرعة.
داخل السيارة، كان الجميع يلهثون.
ليلى نظرت إلى يوسف وقالت: "لم أكن أعرف أنك تعرف كيف تطلق النار!"
ابتسم يوسف بسخرية. "هناك الكثير من الأشياء التي لا تعرفينها عني."
ريان بقي صامتًا، يراقب الطريق. كان يعلم أن هذه لم تكن النهاية… بل مجرد بداية حرب جديدة.
نظر إلى ليلى، ثم قال:
"الآن، علينا أن نجد والدك قبل أن يجدونا."