الفصل الثاني: مطاردة في الظل
كان المطر قد توقف، لكن الهواء البارد بقي يلفح وجه "ريان" وهو يركض في شوارع إسطنبول الضيقة، تتبعه الفتاة التي بالكاد كانت تلتقط أنفاسها. أصوات صفارات الإنذار بدأت تتعالى من بعيد. لم يكن الأمر يحتاج إلى عبقريّة كي يفهم أن الشرطة ليست الطرف الوحيد المهتم بهذه الفوضى.
"إلى أين نحن ذاهبون؟" صاحت الفتاة وهي تحاول اللحاق به.
"إلى مكان آمن."
"ولماذا أصدّقك؟"
توقف فجأة، التفت نحوها بحدة، كانت ملابسها ملطخة بدم الرجل الذي قتلته، عيناها واسعتان بالخوف والصدمة.
"لأنني الشخص الوحيد الذي لم يحاول قتلك اليوم."
لم يكن لديها ردّ. فقط صمت مشوب بالخوف، لكنه لم يكن لديه وقت ليشرح. أمسك بيدها من جديد وواصل الركض.
كان يعرف أن هناك شبكة كاميرات تغطي الشوارع الرئيسية، لذا اختار الممرات الخلفية، القريبة من البازار المسقوف، حيث الزحام سيكون في صالحهما. لكن قبل أن يصلا إلى هناك، سمعا صوت محركات سريعة، ثم فجأة، توقفت سيارة سوداء عند مدخل الزقاق أمامهما.
"تباً..." تمتم وهو يسحب الفتاة نحو الجدار.
الباب انفتح، وخرج منه رجل ضخم الجثة، كان يضع سماعة في أذنه، ويمسك بمسدس نصف أوتوماتيكي.
"ريان… لم أتوقع منك أن تخون الاتفاق."
كان الصوت مألوفًا. إنه "كريم"، أحد زملائه السابقين في المنظمة.
"لم أخن أحداً." قال ريان ببرود، بينما كان يراقب المسدس في يد كريم.
"حقًا؟ لأن رؤسائي يعتقدون العكس." ابتسم كريم، لكنه لم يكن ابتسامة ودودة. "أتعلم ما يزعجني؟ أنني أُرسلت لأتخلص منك. هذا عملك، ريان. القتل. ليس عملي أنا."
"يبدو أنهم لم يعودوا يثقون بي."
"بالضبط."
في جزء من الثانية، ريان أطلق رصاصة نحو مصباح الشارع، مما أدى إلى انطفائه، وفي نفس اللحظة، أمسك الفتاة وسحبها إلى زقاق جانبي بينما بدأ كريم بإطلاق النار.
كانا الآن داخل سوق قديم، المتاجر المغلقة تحيط بهما، ورائحة التوابل العالقة في الهواء تعطي المكان إحساسًا غريبًا بين الحياة والموت.
"أنت مجنون!" صاحت الفتاة.
"وأنت بطيئة." ردّ وهو يتفحص المكان بعينيه.
صوت خطوات اقترب، وقبل أن يظهر رجل آخر في الممر، أمسك ريان بالفتاة، دفعها خلف كومة من الصناديق الخشبية، ثم استدار بسرعة، وأطلق رصاصة واحدة أصابت الرجل في ساقه، مما أسقطه أرضًا.
"هل قتلتَه؟" همست الفتاة.
"لا، لكنه سيتمنى لو فعلت."
تابعا طريقهما عبر الأزقة حتى وصلا إلى باب معدني صدئ. أدخل ريان كودًا سريًا، فانفتح الباب بصوت صرير حاد. دفع الفتاة إلى الداخل، وأغلق الباب بسرعة.
كان المكان شقة صغيرة، خالية تقريبًا إلا من طاولة معدنية وكرسيين، وبعض الصناديق المكدسة في الزوايا.
"ما هذا المكان؟" سألت الفتاة وهي تنظر حولها.
"ملجأ مؤقت."
"لماذا تساعدني؟"
جلس ريان على الكرسي، نظر إليها لثوانٍ قبل أن يقول:
"لأنني أريد أن أعرف من أنتِ."
تنفست بعمق، ثم قالت بصوت منخفض:
"اسمي ليلى."
"لماذا يريدون قتلك، ليلى؟"
ترددت للحظات، ثم قالت:
"لأنني أملك شيئًا لا يجب أن يكون معي."
"وما هو؟"
نظرت إليه، عيناها كانتا تحملان شيئًا لم يكن متأكدًا إن كان خوفًا أم تحديًا، ثم أخرجت من جيبها شريحة ذاكرة صغيرة، ووضعتها على الطاولة.
ريان حدق بها للحظة، ثم مدّ يده ليلتقطها، لكن فجأة، دوى صوت انفجار هائل، وتحطم زجاج النافذة.
انطرحا أرضًا بينما الشظايا تطايرت في كل مكان. قبل أن يتمكن ريان من فهم ما حدث، رأى ثلاثة رجال مقنعين يقتحمون المكان بأسلحة أوتوماتيكية.
"ابقِ رأسك منخفضًا!" صاح وهو يسحب مسدسه.
أطلق النار باتجاه أحدهم، فأصابه في كتفه، لكنه لم يكن كافيًا لإيقاف الآخرين. كان هؤلاء محترفين، يتحركون بسرعة وتكتيك.
"يجب أن نخرج من هنا!" صرخت ليلى وهي تزحف باتجاه الباب الخلفي.
لكن أحد الرجال رآها، ووجه مسدسه نحوها.
ريان لم يفكر. قفز باتجاهها، سحبها أرضًا، وفي نفس اللحظة، أطلق رصاصة مباشرة على رأس الرجل.
كانت الرصاصة صامتة، لكن وقعها كان مدويًا. الرجل سقط أرضًا بلا حراك، فيما الآخران تراجعا قليلاً، مما أعطاهما فرصة للهرب.
اندفعا خارج المبنى إلى زقاق آخر، هذه المرة، كان الظلام لصالحهما.
وقفا يلهثان، يحدقان في بعضهما البعض. ليلى كانت ما تزال تمسك بشريحة الذاكرة بإحكام.
"أنت قتلت من أجلي." قالت بصوت ضعيف.
"لقد قتلت من أجل البقاء." ردّ ببرود.
"وماذا الآن؟"
نظر إليها، ثم إلى الأفق حيث بدأت السماء تضيء ببصيص الفجر.
"الآن… نعرف لماذا تستحق هذه الشريحة أن نموت من أجلها."