الهب واقرار - فصل سته عشࢪ - بقلم استيرا - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الهب واقرار
المؤلف / الكاتب: استيرا
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: فصل سته عشࢪ

فصل سته عشࢪ

يجب ان ننتظر طعام الغداء ونزلت مادلين درجات السلم فى تثاقل ،وسمعت جدلا يدور بين اوليفر ومارك عندما ابدى اوليفر امتعاضه لانه مضطر لعبور البوسفور من جديد ، ولو كان ذلك للمرة الاخيرة ، وسأل مارك عما جعله يقطن الجانب الاسيوى من اسطنبول ،فاجابه بانه يفضل هذا ،كما ان لديه زورقا اسفل البيت، وابلغه ايضا بانه سوف يأسف عندما يتم مد الجسر بين شطرى المدينة ،وتصبح الاقامة فى هذا الجانب امرا شائعا وطلبت اورسولا من مارك ان يصحبهما فى عبور البوسفور حيث يتناولون طعام الغداء سويا قبل ان يودعهما،فوافقها مارك والتقت عيناه بعينى مادلين ،وهو لا يستطيع ان يكشف لها عما يدور فى رأسه من افكار ،وطلب من مادلين ان تبلغ محريماه بان احدا لن يتناول الطعام الذى اعدته،وذكرته مادلين بانها ستبقى فى البيت فرد عليها بقوله: _ اذا سيكون هناك ماأرجع من اجله! _ ارجو ان تعرف مواعيد الطائرات المتجهة الى لندن اثناء وجودك فى المطار _ هل تريدين منى انا افعل هذا فعلا ؟ فهزت رأسها بالايجاب وقالت: _ لا يمكننى البقاء هنا ،لابد ان ارجع الى انكلترا ! فداعب خدها بيده وطلب منها ان تقف معهم حتى ينصرفوا ..ودهشت مادلين عندما وجدت ان حقائب اورسولا تم تجهيزها ، وابتهجت جدا لان اورسولا سترحل ،سوف تحتفل بهذا وتتنازل الطعام الذى اعدته محريماه ،وتنتظر عودة مارك اليها ،وهى الان تشعر بانها ستعيش حياة طبيعية ، ستسير الامور عليها طوال حياتها ،ولم تحاول اورسولا او اوليفر الالتفات اليها وهما يتجهان الى القارب لكى تلوح وتودعهما وعندما انطلق القارب لوحت مادلين بيدها، وكان مارك هو الوحيد الذى رد عليها بأن لوح بيده لها ، بل انه ابتسم لها ايضا ،كما اعتقدت هى ذلك وكانت محريماه فى انتظارها داخل المطبخ وهى تمسك بعقد صغير من الخرز الازرق ، وقد بدا على وجهها الشعور بالرضى والارتياح ،وانطلقت تتحدث بالتركية وهى مبتهجة ،وادركت مادلين ان الغرض من تلك الخرزات الزرقاوات هو الوقاية من العين الحاسدة ،وسعدت لذلك وراحت تقهقه وكأن رأسها مازال يدور فى اعقاب ذلك الحدث المثير ،وهو رحيل اورسولا ،وقالت مادلين لمحريماه بالتركية ، وهى تنطق الكلمات بطريقة ببغائية ، انها تريد تناول طعام الغداء فهزت محريماه رأسها ،وانطلقت تضحك من جديد ،وقد اغتبطت لان مادلين بدأت تتعلم بضع كلمات من لغة بلادها ،وربتت على كتفها وهى تنظر اليها نظرة مليئة بالمشاعر الدافئة التى يتميز بها سكان البحر الابيض المتوسط ولم تخطئ مادلين فى فهم ماتقصده بنظرتها فقالت لها بصيغة مؤكدة انها ستعود الى انكلترا ،فقالت لها محريماه : _ كلا ! وماروك بك ولم تكن مادلين تعيرها السمع ،فقد انشغل ذهنها بالتفكير ،كيف يمكنها ان تحيا بدون مارك فى حين ان مجرد تفكيرها فى العيش بدونه يصيبها باليأس والقنوط وجلست تتناول الطعام وفكرت فى الخروج بعد الانتهاء منه ،وتذكرت ان مارك لم يحدد لها موعد عودته ،وهى لا تريده ان يرجع ولا يجدها فى البيت ، خاصة وانه قال لها انه يريدها ان تكون فى انتظاره عنذ رجوعه واستمتعت مادلين بالكباب وباللبن الذى تناولته بعده ،وقالت لنفسها انها لو تناولت طعامها ببطء فان مارك ربما يعود قبل انتهائها منه ،ولكن مرت ساعة ثم اخرى بدون ان يظهر له اى اثر ،وانصرفت محريماه هى الاخرى عائدة الى مسكنها لتصبح مادلين وحيدة فى البيت ،وليس لها من رفيق سوى ظلال المساء التى بدأت تخيم على المكان الليل قد ارخى سدوله عندما فتح الباب ودخل مارك ،كانت مادلين جالسة على الاريكة تقرأ كتابا ،وقد اخذتها اغفاءة وسط الضوء الخافت المنبعث من المصباح الوحيد المتدلى من سقف الغرفة ،وهبت واقفة عندما سمعت صوت خطوات مارك ،وقد امسكت بالكتاب بيديها خلف ظهرها وسألته: _ هل سألت عن مواعيد الطائرات المتجهة الى لندن؟وهل هناك طائرة ستقلع قريبا ؟ فجلس مارك على كرسى وهو يرقب حركاتها وسألها : _ لماذا تتعجلين العودة الى انكلترا ؟ _ السبب واضح ! _ ربما يكون واضحا بالنسبة اليك،ولكنه ليس واضح لى ورمقته مادلين بنفاذ صبر وسألته: _ هل رحلت اورسولا واوليفر بسلام ؟ _ لقد وضعتهما فى الطائرة التى اقلعت وقت الغداء ،كانت السماء فى عونه ،لقد نظر الىّ الرجل كما لو كنت قد اسديت له صنيعا فقاطعته مادلين قائلة : _ انه يحب اورسولا منذ وقت بعيد، وهو يعتقد انها فى قرارة نفسها فتاة ريفية فانفجر مارك ضاحكا وقال : _ ربما كان على حق فى هذا! وكانت مادلين على وشك ان تعترف بانها سمعته وهو يتحدث الى اورسولا فى الصباح ،ولكنها لم تجد فى نفسها الشجاعة لتذكر ماسمعته ،وتعتقد انها لا تستحق اكثر من وضعها فى طائرة ترجع بها الى لندن ونهض مارك وجلس على الاريكة ،وامسك بالكتاب ليرى ماذا كانت تقرأ، ثم رمقها بنظرة ساخرة جعلتها تبتعد عنه الى الجانب الاخر من الغرفة ،وقال لها : _ سوف يفيدك هذا كثيرا فى لندن ! _ انك لم تفهم! _ أحقا! _ فعلا ،فاننى قد اعود الى تركيا فى وقت الازمات ،وقد ازور ازمير او إفيسوس و...... ولم تستطع تذكر اسماء مدن اخرى لتزورها فى تركيا ،ثم قالت فى حماسة : _ وربما اعود الى اسطنبول ! _ وهل تحتاجين لدراسة تاريخ الامبراطورية العثمانية من اجل هذا ! فحملقت فيه وقد نسيت للحظات مادة الكتاب الذى كانت تقرأه _ اننى احب ان اقرأ عن الاماكن التى ازروها _ وما رأيك فى المسجد الازرق؟ ففوجئت بسؤاله،وهى فى الواقع لم تستمتع بزيارة هذا المسجد لان الزيارة لم تصادف هوى من اوليفر ،ولكن لكى تكون امينة مع نفسها فانها يجب ان تعترف بان مرافقة مارك لها هى التى زادت كثيرا من متعتها اثناء زيارتها ، وقالت له: _ مارك ،اننى اريد ان اذهب الان الى احد الفنادق _ أليس الوقت متأخر لهذا ؟ فهزت رأسها وهى ترجو الا ينطلق صوتها بالصياح وقالت : _ كان يجب علينا ان نذهب الى فندق من قبل ،فانت لم تكن ترغب فى بقائنا فى بيتك، ولا الومك لهذا ! فليس من العدل ان نهبط عليك فى وقت تريد فيه الاحتفاء باشخاص اخرين وسألها مارك باهتمام ودهشة قائلا : _ اى اشخاص تقصدين ؟ فلعقت شفتيها وقالت له: _ هم اشخاص ! فابتسم بدهاء وجذبها لتجلس الى جانبه على الاريكة وهو يهمس فى اذنها قائلا لها: _ اعتقد اننى سابدأ بالاحتفاء بك انت فافلتت منه وابتعدت الى الطرف الاخر من الاريكة وهى تقول : _ سوف اذهب الى فندق _ اوه؟ وكيف يمكنك تسديد اجر المبيت بالفندق ؟ فنظرت اليه مستسلمة وقالت له: _ ولكنك لا ترغب فى بقائى هنا !وانا لا ارغب ما تفعله ،ويجب الا تظل خارج البيت فترة طويلة بسببى !ففى امكانى الذهاب الى غرفتى او اذهب لزيارة محريماه او افعل اى شئ اخر ! فقال لها باسلوب لطيف جعلها تلتفت وتنظر اليه ،قال: _ يامليحة ،لا تكونى حمقاء ! _ لست بحمقاء ،وانما انا فقط... _ انت فقط لك نظرة شاعرية ومستحيلة للحياة !والان مالذى يجعلك تشعرين بالذنب ؟ يبدو انك مترددة فى الادلاء باعترافاتك كاملة ،مالذى حدث ؟هل قبّلك اوليفر؟ فاحمرت وجنتاها ونفت ذلك بشدة قائلة: _ طبعا لا! _ حسنا _ انه لم يتحدث عن اى شئ اخر سوى اورسولا ،وبالاضافة الى هذا فاننى لا اطوف بالناس لاقبلهم ! _ اوه ،يامليحة ياحبيبتى ! لزمت الصمت فى إباء وهى تبحث عن الكلمات التى تفحمه بها ،ولكن الذى شغل تفكيرها اكثر من هذا هو انه ناداها بحبيبتى وبنبرة تدل على انه يقصد معناها ،وكم تمنت لو انه نداها بهذه الكلمة مرة اخرى فقال لها وهو يستحثها على الرد : _ حسنا ، ما قولك ؟ فقالت له باندفاع : _ لقد سمعتك وانت تتحدث الى اورسولا هذا الصباح ،هل كنت تحبها قبل زواجها من اخيك؟ ولم يكن يبدو عليه انه صدم من هذا السؤال،بل بدا وكأنه كان يتوقعه وقال لها: _ اعتقد اننى كنت احبها فعلا لبعض الوقت ،ولقد كنت اميل قليلا الى الشاعرية فى تلك السن،وظننت نفسى المحب الذى وضع العراقيل فى طريقه قهقهت مادلين وقالت : _ لا اصدق هذا ! _ اؤكد لك ذلك ،كنت شديد التحمس لهذا _ ولكنك لم تتعرض للعراقيل _ كلا ليس دائما، وقد بدأت حماستى تفتر ، مما جعل الامر اكثر متعة ، ولكن لم يكن لهذا علاقة بالحب فقالت له وهى تحجب عينيه برمشيها: _ ولكنك عانقتها مرة _ مرة واحدة فقط ؟ قالها بلهجة ماكرة مما جعل خديها يتوردان ،وسألها : _ هل تناولت شيئا من الطعام ؟ _ لم اتناول شيئا من طعام الغداء ، هل تناولت انت شيئا؟ فتنهد وقال: _ أية حياة مثيرة تلك التى تظنين اننى احياها، لن ينتابك ادنى قدر من الدهشة ان قلت لكى باننى تناولت طعامى فى اطباق من ذهب قدمتها لى ست من الفتيات شبه العاريات ،اكنت تدهشين لو قلت هذا؟ _ كلا _ فى الحقيقة اننى لم اتناول طعام الغداء حتى الان ،وكنت مضطرا للذهاب الى الجامعة بعد ظهر اليوم لاحضار بعض الاوراق والشخص الوحيد الذى ارغب فى الاحتفاء به هذا المساء هو انت نفسك ! فنظرت اليه وقد اتسعت عيناها وهى تقول : _ اوه مارك ، ارجوك ان تفعل ! فلمس خدها برقة قائلا لها : _ اذا ، لنفعل كل شئ بالطريقة الملائمة لها يا حبيبتى ،ويحسن ان تذهبى لتغيير ملابسك ان كنت تريدين ان تكونى فى مستوى الجميلات اللواتى تناولت العشاء معهن ،وسأذهب لاحضار محريماه لكى تعد لنا طعاما شهيا ودفع بها نحو الباب قائلا : _ ولا تتأخرى ، فانا اريد ان اتحدث اليك فلم تحاول اخفاء سعادتها وسألته قائلة: _ أحقا تريد؟ وابتلعت ريقها وهى غير قادرة على على السيطرة على انفعالاتها ،فقد ناداها اولا بـ ياحبيبتى وهو الان يمنحها حبه ! وسألته مرة اخرى قائلة : _ عن اى شئ تريد ان تحدثنى ؟ فمال الى الامام حتى كاد وجهه يلامس وجهها وقال لها بلهجة آمرة : _ اسرعى ! فردت بسرعة قائلة: _ وهو كذلك ، وهو كذلك ، سأفعل ...مارك ، ماذا فى الامر ؟ فقال لها من جديد : _ اسرعى ! اننى لا استطيع الانتظار لاكثر من هذا ، فبالنسبة لاورسولا كان فى امكانى الانتظار، اما معك فانا لا اطيق الانتظار ، وان لم تستعدى خلال عشر دقائق ساصعد لاحضارك بنفسى! فقالت محتجة: _ مارك! فرد عليها : _ بل سانتظر تسع دقائق فقط وصعدت الى غرفتها وهى تشعر بسعادة غامرة لم تعرفها فى حياتها ،وقالت لنفسها .... ربما لا يريد اكثر من تناول العشاء معها ،ولا يريدها ان تبقى معه الى الابد ،ولكنه لن تعبأ بهذا ،ولن تعبأ باى شئ ، فالليلة قد لا تتكرر ، وقد لا تصبح قريبة منه الى هذا الحد مرة اخرى ، انها يجب ان تستمتع بهذه الليلة وقررت ان ترتدى رداء طويلا يتدلى حتى القدمين ،واعتقدت انه يتمشى مع هذه المناسبة ،ولديها رداء واحد من هذا النوع فامسكت به بيدين ترتعشان ،انه مصنوع من الصوف الناعم ولونه قرمزى يتلائم مع لون شعرها البنى الداكن ،وارتدته فاخذ شكل قوامها وتدلى حتى قدميها ،ونظرت الى نفسها فى المرآة وقالت :مليحة ! وتمنت ان يجدها مارك كذلك ثم مشطت شعرها حتى اكتسب بريقا ،وابتسمت قليلا ، ان اى شخص ينظر اليها سوف يدرك انها وقعت فى الحب ! كان مارك ينتظرها فى غرفة الجلوس عندما هبطت فنهض واقفا ليستقبلها قائلا لها : _ مليحتى ! ولم تدر ماذا كان هذا تقريرا او سؤالا ،ولكنها لم تجسر على النظر اليه لتستوضح الامر ،وهمست قائلة: _ نعم وظل واقفا للحظات طوال بدون ان يبدى حراكا او ينبس ببنت شفة، وامسك بيديها كى يجلسها على الاريكة على طريقة المجاملة التقليدية القديمة ،وذهب الى القاعة ونادى محريماه ليخبرها بانهما جاهزان لتناول الطعام ،وعندما رجع وجدها قد نهضت ووقفت الى جانب النافذة تطل منها على اضواء الجانب الاوربى من اسطنبول عبر مياه البوسفور ،وقالت له انها لم تغب سوى اقل من عشر دقائق ،فقال لها: _ انها فترة طويلة ! لقد فكرت فى ان نتناول الطعام على ضوء الشموع ثم نتحدث _ اتقول نتحدث ؟ ونظرت اليه لاول مرة فوجدته انيقا فى ملابس المساء ،الليلة اصبح بنفس الصورة التى تخيلته بها اول مرة ،ماروك بك ! واخذ اسمه التركى يلح على رأسها وقال لها فى جدية: _ نعم نتحدث، اننى يا مليحتى اريد ان تكونى على ثقة تامة من انه بعد الليلة لن تكون هناك عودة ،هل فهمت؟ فاطرقت مادلين رأسها وهى لا تفهم شيئا بالمرة ،وابتسمت وهى تقول له: _ اظنك قلت انك جائع ! الفصل الثانى عشر جلست مادلين فى مواجهة مارك واخذ