فصل ثلاث عشࢪ
مارك ، وتساءل عما جعله يقطن في تلك المنطقة ولا يقيم في حيّ آخر افضل ، وكانت اورسولا مازالت في فراشها عند حضوره ، ولم تبد منها اية بادرة تشير الى رغبتها في رؤيته الآن ولفترة طويلة قادمة ، ونادت اورسولا مادلين وابلغتها بأنها لا تمانع في خروجها لقضاء وقت طيب ، ولكنها قلا ان اوليفر ، وإن كان يبدو شابّاً ، الا انه في سن ابيها ، وطلبت منها ان تعتني بنفسها فوعدتها بأن تفعل . وسار اوليفر بجوار مادلين التي قالت له ان السوق المغطي يعد اكبر سوق من نوعه في العالم ، وعن الاشياء التي يريد شراءها من السوق ، فتردد قليلاً ثم قال لها :" بعض الذهب لأورسولا ، افضل الاشياء التي تلائم اورسولا ، وليس هناك افضل من الذهب ! " فتنفست مادلين ببطء وسألته :" هل ابدت اورسولا رغبتها في اقتناء هدية ثمينة ؟ اقصد انني متأكدة من انها شديدة الاعجاب بك الان الا ان الذهب يكلف مالاً كثيراً " فقاطعها بجفاء قائلاً :" لم ترفض اورسولا اية هدية قُدمت اليها ، اعتقد انكِ لا تعرفينها جيداً يا مادلين ، كم من الوقت مضيت معها في السفر ؟ هل احضرتكِ معها الى انقرة ؟ لا اعتقد ذلك . واظنها جاءت الى تركيا عندما علمت بوجودي هنا ، ولكنني اعتقد ان دار اديناي للنشر تستبد بحياتها وروحها ، وليس لي أيّ مكان في خططها و مشروعاتها " وسألته مادلين وهي تقوده نحو العبّارة قائلة :" " هل تعرفها منذ فترة طويلة ؟ " " عرفتها منذُ كانت لاتزال ترتدي الجوارب القصيرة ، بل حضرت حفل زواجها ، وكم تمنيت الّا احضره ، فقد كان مقدراً له منذُ البداية أن يفشل " وصمت بضع لحظات وهو ينظر الى مياه البوسفور واضاف قائلاً .. :" إن بوب لم يعرف كيف يسوسها ، ولو عاش لقلت له كلاماً معيناً بعد عودته من فييتنام ، فالرجل المتزوج ليس من حقه ان يذهب ليضحي بحياته في الجانب الآخر من العالم ، إن كان غير مضطر الى هذا ، فماذا كان يتوقع ؟ ان تشكره اورسولا على ذهابه ؟ " " اعتقد انه كان يريد الذهاب " " انه يا حبيبتي لم يستطع الهرب بالسرعة الكافية ! ، كانت تعمد الى تمزيق حياته كلما اجتمعا سوياً ، كان انساناً قانعاً وراضياً بمهنته التي كان يحبها و التي لا تتطلب منه عملاً كثيراً ، ولكن هذا لم يصادف هوى منها ! فقد تزوجته وهي تدرك الامكانيات الحقيقية لدار اديناي للنشر وتعرف الطريق الذي ستسلكه ، وتحمل بوب على قدر استطاعتهِ وهي تدفعه وتستحثه للاسراع في خطاه ، الى ان وجد لنفسه مهرباً وليس غريباً ان يعرض نفسه للقتل ، وكان يمكنني الزواج من اورسولا عندئذ ، ولكنني لم اشأ ان تصبح دار اديناي معلقة فوق رؤسنا مثل طائر القطرس البحري الضخم الذي يحوم حول زواجنا ، وطلبت منها ان تختار بيننا فقالت لي : ومن الذي يريدك ؟ وهي لم تكن تريدني ، ان واشنطن كلها كانت تنشغل بها عندما تقوم بإحدى حملاتها الصحفية في مجلتها ، وتسلط عليها هي الاضواء وتأخذ كل المجد والشهرة ، وهي تقف واثقة من نفسها ومن الطريق الذي تسلكه ، ولكن في نهاية الامر ليس هذا هو كل ماتريده ! " وتطلعت اليه مادلين بدهشة لتعرف منه ما الذي تريده بالضبط تلك الامرأة الامريكية فأضاف قائلا :" اورسولا فتاة نشأت في بلدة صغيرة ، ولها طموحات اهل البلدة الصغيرة ، تريد زوجاً يبني حياته بدون عون منها ، ويقيم بيتاً بجواره جيران طيبون ، وينجب اطفالاً يقلق عليهم آباؤهم ويحبونهم ، هذا ماكانت ستحصل عليه لو انها تزوجتني " وقالت مادلين لنفسها انه لا شك يبالغ جداً بإعتقاده ان اورسولا يمكنها ان تقتنع وأن تتأقلم في بيتٍ يقع في حيّ جميل مثل الذي تخيله ، انها لن تلبث ان تختنق وتضيق به ذرعاً خلال اسبوعين ، بل خلال يوم واحد ! فهي لم تقم بإنشاء مشروع ضخم مثل دار اديناي للنشر لكي تقيم في مكان مغمور بأمريكا ، فلقد لتكون وسط التطورات الضخمة ولكي تحرك العالم وفق ارداتها ، الم يدرك هو هذا ؟ وابتسم اوليفر قائلاً لها :" انكِ لا تصدقينني ، فأورسولا لاتفهم نفسها جيداً ، فلو انها كانت تريد شيئاً بخلاف هذا لتزوجت مارك وليس شقيقه ، ولو كان بوب تمسك برأيه وقال لها لا من آن لآخر لأمكنهما ان يعيشا سوياً في وفاق ، ولكن بوب لم يكن بالشخص الذي يقول لا لأي انسان ، لقد حصلت الآن على كل شيء ولكنكِ لا تستطعين القول انها سعيدة ! فهي تقف مرتعدة فوق المكان المرتفع الذي تسلقته ، هل تعرفين انها تعاني من الدوار ولهذا السبب لا تميل للتجوال وسوف اعمل على انقاذها من وحدتها فوق قمة التل ، في امكانها الهبوط بنفسها والتنازل قليلاً عن كبرياءها التي تعتز و تتمسك بها ! وستجد المكان اكثر دفئاً وهي معي في الوادي ، وسأرحب بها بذراعين مفتوحتين ، ولكنني لن ارغمها على ذلك .. فأنا لست بوب اديناي لكي القي بنفسي في القبر قبل الآوان ، ولكنني اعتقد انها سترجع عما هي عليه اذا ما اتخذ مارك موقفاً حازماً نحوها " وسرت البرودة في جسد مادلين وهي تقول له :" اتعتقد انه لن يكون حازماً ؟ " وراقب اوليفر العبّارة وهي تدخل المرسى بجانب جسر جالاتا ، وقال بلا داعٍ :" لقد وصلنا ! الى اين نتوجه من هنا ؟ " " السوق ليس بعيداً عن هنا " واخرجت خريطة من جيبها وراحت تتفحصها ، واشارت بيدها الى المكان الذي يتجهان اليه ، وعندما نزلا من العبّارة اسرعت مادلين بشق طريقها وسط الزحام ، وهي مترددة بين الرغبة في الافلات من اوليفر والرغبة في مصاحبته ، إن اوليفر يعرف بلا شك حقيقة مابين مارك و اورسولا ، وهو يعرف ايضاً ما اذا كان مارك يرغب في العودة الى الولايات المتحدة مع اورسولا ، وهو ماتريد مادلين معرفته ، فيجب ان تعرف ، ويجب ان يتاح لها الوقت لكي تعتاد على فكرة انها لن تراه مرة اخرى ، لتتعايش بشكل ما مع شبح اليأس المقيت الذي يمسك بخناقها ، كلما فكرت في شكل الحياة بدون مارك . لا بد ان تعد نفسها لمثل هذا وسألته فجأة :" هل يرغب مارك في الزواج من اورسولا ؟ " فنظر اليها اوليفر بدهشة قائلاً :" لماذ تسألين هذا السؤال ؟ " " حقّاً ماكان يجب ان اسأل ، ولكن لا بد ان اعرف ، فأورسولا تعتقد ان مارك يحبّها ، واظن انها على صواب ! " وتوقف اوليفر عن السير قليلاً وراح يرقب في صمت مأذن وقباب المساجد من حوله وقال :" جاء وقتٌ اعتقدت فيه ان مارك سوف يمزق اخاه ، ولكن برغم حبه لأورسولا استطاع ان يتكيف بسرعة مع وضعه الجديد بعد فقدانه لها ، فمارك لم يكن يفتقر الى الصديقات " ونظر الى مادلين التي احمّرت وجنتاها وسألها قائلاً :" ألديكِ اهتمام شخصي بهذا ؟ " " ليس بالضبط " " مارك ليس مثل اخيه ، واشك انه سيبيع نفسه وروحه من اجل دار اديناي للنشر ، حتى لو كانت اورسولا هي الطعم " " وهو طعم شهّي جداً! " " هذا رأيي كشاهد واقر بأنني مبهور بأورسولا ، اما مارك فأنه لا يريد فقط ان تعطي له الاولوية ولكنه يريد ان يكون هو السيّد " فردت عليه مادلين بإحتجاج وفي حدة قائلة :" انه ليس مغروراً ، فهو عطوفٌ جداً ، ولماذا لا يحصل على مايريد ؟ انه لا يؤذي احداً " "لم اقل انه مغرور ، برغم أن من حقه ان يكون كذلك مادام ضحاياه انفسهم يدافعون عنه ، انني احسده مثلما يفعل كثيرون غيري من الرجال! ولكن ليس معنى هذا انني ارغب في أن تكون لأورسولا علاقة به ، إنه سوف يحطمها ويصيبها في اشد المواضع ايلاماً ، وهي المواضع التي تتمثل في فكرتها الطيبة عن نفسها ، وجاذبيتها بالنسبة الى الجنس الآخر ! " واكتفت مادلين بأن هزّت رأسها فهي تعرف افضل منه ! إن يدي مارك فيهما حزم وقوة ولكنهما غاية في الرقة ، وهو ايضاً يحب العلو ولكنه ليس العلوّ الشره للسلطة ، وانما علوّ الحب الذي يتطلب ان يعطي المرء نفسه ، ومارك سيطلب كل شيء ، ولكنه سوف يعطي بلا تحفظ في مقابل هذا ، ومن الصعب عليها ان تدرك انه يحتمل الّا يحبها مارك ، ولكنها لن تأسف ابداً لأنها عرفته ، فقد علمها معنى ان تكون إمرأة ... وقال اوليفر :" ان هذا المكان بعيد ، اعتقد اننا ضللنا الطريق " " كلا لم نضلّ الطريق " وابتهجت مادلين عندما بدت امامها بعض معالم السوق المغطي ، ولم يعبأ اوليفر بأيّ من المعروضات فيما عدا الحليّ الذهبية التي راح يقلبها وينتقي افضلها كي يقدمها الى اورسولا تعبيراً عن حبه . وقال لها اوليفر :" أورسولا تتحلى بالكثير من الاساور ولكنني لم الاحظ انها تتحلىّ بأي خواتم ، إنني لم ارها تتحلىّ بخاتم الزواج ! " وتعرف مادلين أن اورسولا لا تتحلىّ بأي خواتم في اصابع يديها لأن اصابعها قبيحة ومظهرها خشن كأصابع الرجال ، وهي لا تريد ان تلفت الانظار اليها