فصل عاشر
الى ان رأى السلطان محمد الفاتح في منامه المكان الي وورى فيه جثمانه التراب اثناء استمرار الحصار ، وبالتنقيب تبيّن صحة ذلك ، وتم بناء قبرٍ له ومسجد في ذلك الموقع ، وعندما اصبح المسجد مهدداً بفعل الزلازل اقيم مسجد آخر ، وهو المسجد الحالي عام 18 ميلادية ،و يتوافد الحجاج على هذا المسجد وهم في طريقهم لأداء فريضة الحج في مكة المكرمة . ****************** كان المسجد يبدو ناصع البياض و نظيفا من الخارج ، برغم حلول الظلام و عند مدخليه بدا اسراب من الحمام في الفناء حيث يقع المكان الذي يتوضا فيه المصلون ، و امام القبر ايوب وقف صفٌ من الناس و كلٌ منهم ينتظرُ دوره ليأخذ مكانه امام نافذة القبر لكي يتلو دعاءهُ . و خلعت مادلين حذاءها و دخلت خلف مارك الي المسجد الذي اضيء اضاءة جيدة بالثريّا الضخمة المتدلية من وسط قبةً المسجد ، في الحين غطت ارضه سجادة فاخرة زرقاء اللون تمتد من الحائط للحائط و لاحظ مارك ان مادلين اخذت تعبث بالاصابع قدمها بصوف سجادة الكثيف فاشار اليها لكي تلحق بلنساء المصليات في الجناح المخصص لهن في مؤخرة المسجد ، فاطاعته بسرعه بعد ما لاحظت انها المرأة الوحيدة وسط الرجال و تاخر مارك كيثرا في حضور اليها . فاخذت تبحث عنه بدون ان تعثره له على الاثر .و عاودتها للحظة حالة الذعر التي انتابتها عندما اختفى مارك عن بصرها عند جسر جالاتا و اتجهت نحو الباب لترى ما اذا كان قد خرج و رات فناء المسجد و قد اصبح خالياً من المصلين و خيم عليه الظلام . و لم تجد مارك هناك . و الزمت نفسها بالهدوء قائلة انه لا بد ان يكون في المكان ما و انه سياتي بسرعه للبحث عنها .و ارتدد حذائها و راحت تتجول في فناء المسجد غير عابئة بالمطر الذي بدأ يتساقط و يبلل شعرها . و اتجهت الي نافذه قبر ايوب و امسكت بقضبان النافدة و اغمضت عينيها و راحت تتبتهل قائلة :" ساعدني يا أيوب ! " و لم تسعفها الكلمات لتكمل ابتهالها .ان مارك لن يتغير حاله و لكن الي اي مدى قدر لها ان تصبح هي المرأة الوحيده في حياته ؟ و واصلت ابتهالها قائلة ان كان هذا ممكناً .. ان كان هذا ممكنا فاجعله حقيقة ؟ و شعرت فجاة بيد مارك تمسك بذراعها ، فالتفت نحوه بسرعه وقد احست بالحرج خشية ان يكون قد قرأ ما دار فيه خاطرها و شعر بحراره ابتهالها و سألها في دهشه قائلا :"هل تتمنين دائما امنية اذا اتحيت لكي الفرصه لذلك ؟ و هل تقبلين قطعة من النقود عندما ترين القمر الوليد ؟ " نظرت الى السماء ولكنها لم تجدا القمر ، لابد ان يكون كبرا حجمه و لم يعود هلالا مثلما سبقا ان راته . و قالت له مادلين معاتبة :" اين كنت ؟ بحثت عنك في كل مكان "
" لايمكني ان تفقديني بسهوله . مارايك في تناول الشاي ؟ " فهزت رسها موافقة اياه في صمت . ولكن لم يتحرك بل اتجه نحو نافذه القبر و احنى رسه و اخذ يبتهل . و اعتقدت في اسى ان الاشياء التي يريدها ليست هي نفس الاشياء التي تريدها هي . فهو يرغب في التخلص منها هي و اورسولا باسرع وقت ممكن و لديه من الاسباب ما يدفعه الى هذا . فهما مصدر ازعاج له منذ تركتها اورسولا وحيدة تائهة .. كان الظلام تامّا عندما عبرا الميدان و هما يتجهان الى احد المقاهي في الجانب الاخر . و طلب مارك كوبين من الشاي . و جلس في تراخٍ يراقبها و هي تحاول بصعوبة امساك الكوب الساخن و قال لها :" هلّلي يا مليحه. فايوب معرف بكراماته و معجزاته . و لكنه لايميل الي الاندفاع و التعجل . و على كل منا ان يعرف كيف يتحلى بالصبر " لم تكن متاكدة مما اذا كانت تعرف حقا المعنى الذي يتحدثه عنه ولكن صوته كان دافئا كما انه نادها بـ ( مليحه ) . و بالطريقه التي تحبها . و احست بالارتياح و زال عنها التوتر و عادت لتضحك من جديد و كان كافيا بالنسبة اليها في تلك الحظله ان تكون معه و ان يبدو عليه انه يرحب باجتماعهما معا . كان المطر يهطل عندما خرجا الى الطريق ، وهزّ مارك رأسه عندما رآها تتجه محطة الباص وقال لها بجفاء :" ستجدين سيارات الاجرة اكثر راحة من ركوب باص آخر مزدحم " وقالت له في تأكيد :" انني لا اعبأ بالازدحام " " ولكنني اعبأ ، فرحلة اخرى بالباص ستجعل شعري يشيب ، إننا سوف نعود بسيارة الاجرة واستعدي لهذا " فرمقته بنظرة احتجاج فقال لها :" لا تنظري اليّ هكذا وإلا فلن أكون مسؤولاً عن عودتكِ سالمة الى البيت ! لقد حذرتكِ ! " فرحت مادلين وهي تسمع منه هذا الكلام وقالت :" أيجب ان نعود الى البيت ؟ " فداعب خدها بيده وقال لها :" هل تعودين مرة أخرى الى حب المغامرة والتهوّر ؟ " كانت أورسولا جالسة في الصالون عندما عادا الى المنزل وقد بدا عليها الغضب الشديد وبادرت مادلين بقولها :" كيف تجرؤين على هذا ؟ كنتِ تعرفين انني لست في حالية طيبة ، أين كنتِ ؟ اذهبي لتغير ملابسكِ ثم احضري وفسرّي لي تصرفكِ هذا !" "ولكنكِ سمحتِ لي بالخروج يا سيدة أديناي ! " فنظرت اورسولا الى ساعتها قائلة :" كان هذا منذُ ست ساعات ، وكنت اقصد ان تخرجي لجولة قصيرة او لشراء شيء ما من المحلات ، لا أن تختفي نصف يوم ! " فعضت مادلين شفتها قائلة :" إني آسفة " واتجهت اورسولا ببصرها نحو مارك وقالت له في سخرية :" هل اشكركَ لأنكَ عدت بها الى البيت ؟ لا اعتقد انك انت الذي طلبت صحبتها ولهذا فإنني افترض انها استدرجتك الى هذا بطريقة ما " ولم تجرؤ مادلين على النظر الى مارك . وردّ مارك قائلاً :"ماكان يجب ان تخرج مادلين بمفردها ، فهي تستمتع بالمذكرات التي تكتبها لي ، وقد اسعدني ان اكافئها في مقابل ذلك بأن اتيح لها مشاهدة اهم الابنية التاريخية في اسطنبول " وقالت أورسولا لمادلين :" اذهبي يامادلين وغيّري ملابسكِ ، فلدّي كلام اريد قوله لشقيق زوجي ، وافضل الا تستمعي الى كل كلمة اقولها ! " واسرعت مادلين بالصعود الى غرفتها وهي تهزّ شعرها المبتل وارتدت رداءً فاتح اللون . وأثناء هبوطها السلم عائدة الى الطابق الارضي سمعت صوت أورسولا يدوي في القاعة وهي تقول :" سوف اعيدها الى لندن يا مارك! الا تدرك انني لا يمكن ان اسمح بأن يقف ايّ شيء بيننا ؟ يا عزيزي ، انني اشعر بالتعاسة منذُ مقتل بوب ، ولا استطيع الاستمرار هكذا بمفردي ! " فنصحها مارك قائلاً لها في برود :" عليكِ اذا ببيعها ، ولن يقف احد في طريقكِ ! " " الا تكنّ أيّ شعور نحو دار أديناي للنشر ؟ " " نعم فإن حياة المدير الاداري لا تناسبني ، ولكنني كنت سأتولى المهمة بصورة افضل مما فعل بوب ، وكان يجب ان ادرك الى ايّ نهاية كنتِ تدفعين بوب وأن افعل شيئاً من اجل هذا ، هل هذا واضح لكِ بصورة كافية ؟! " وطرقت مادلين باب الغرفة بعنف وعصبية ، وهي لا ترغب في سماع المزيد من الكلام الذي لا تريدها اورسولا ان تسمعه ، وصاحت فيها اورسولا قائلةً :" أتوقع ان تحضري وانتِ تتلهفين لسماع حديثنا ، أدخلي ، ليس هناك مانع من هذا ، فأنا واثقة من ان مارك يريد شاهداً وهو يتهمني بما يقرب من تهمة القتل " ورد مارك قائلاً :" ليس القتل ، وإنما الطموح والشراهة ، ورغبتكِ الصارمة في تحقيق غرضكِ ، إن بوب لم يكن ندّاً لكِ وانتِ تعرفين هذا ! ، هل كان هذا هو السبب الذي دفعكِ الى الزواج منه ؟ " " نعم! " " وهل كان بوب يعلم بهذا ؟!" وامتقع وجه اورسولا واشتد غضبها ، وبدت اكبر بكثير من عمرها الحقيقي ، وقالت :" هذا هو السبب الذي دفعه للذهاب الى فييتنام ، قال انه سيخلي لكَ الساحة .. " " فكري فيما تقولين ! كان يعلم انني اريد ان انفض يدي من هذا الامر قبل فترة طويلة من ظهوركِ على مسرح الاحداث ، كوني أمينة مع نفسكِ يا اورسولا ، إن ما تقصدينه هو أن بوب افلت من بين اصابعكِ وانني البديل الوحيد المتاح امامكِ ، ولم يخطر ببالكِ انني لو قررت العمل معكِ لكنتُ انا الفائز !! " " اريد منك فقط العمل معي ! هل ظننت انني اريد اكثر من هذا ؟ انني لا اتطلع لأن اصبح تلك الزوجة الوديعة