الهب واقرار - فصل تاسع - بقلم استيرا - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: الهب واقرار
المؤلف / الكاتب: استيرا
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: فصل تاسع

فصل تاسع

العلاقة بين الجنسين . وادار مارك ظهره لها وقد اولي اهتمامه تماما نحو الفناء الذي كانا يقفان فيه وقال لها " يقولون ان الماذن الاربعة ترمز الى سليمان كان رابع سلطان يتولي الحكم ف ياسطنبول والشرفات العشر ترمز الى انه كان عاشر سلطان في الدولةالعثمانية " واخذت مادلين تنظر الى المأذن العالية وهى تشعر بانه يستحيل على اى انسان ان يصعد درجاتها الحلزوني لكي يؤذن للصلاة وقال لها مارك ان هذا ماكان يحدث في الماضي اما في هذه الايام فان مكبرات الصوت تثبت فوق الماذن لكي يؤدي الاذان من خلاالها ودخل مارك المسجد بعد ان خلع حذاءه وأحست مادلاين بالهيبة والجلال وهى تدخل خلفه بعد ان خلعت حذاتئها ورأت الجدران التى كتبت عليها ايات من القران الكريم وأخذت تتجول في انحاء المسجد واخذ مارك يشرح لها عن هندسة المسجد وشرح لها مارك كيفية اداء الصلاة من ركوع وسجود بعد ان يقف المصلي موليا وجهه للقبلة في اتجاه مكة المكرمة وعندما استفسرت عما اذا كانت النساء تؤدين الصلاة قال لها " نعم ولكن ليس علنا وانما في بيوتهن " والقت نظرة اخيرة داخل المسجد وهى تتمتم قائلة " ان المرء ليشعر بضالته وهو في حضرة الله انني استمتع بهذا الشعور " وأيدها قائلا " هذا صحيح " وأطلعها على المكان الذي يتوضأ فيه المصلون وقا لها انه لا يحضر الكثيرون للوضوء هنا لانه يمكن الوضوء في اى مكان وشاهدا صبيا يتوظأ استعدادا للصلاة فحياه مارك وتنمني له التوفقيق وسألت مادلين مارك بقولها " كيف تعلمت التحدث بالتركية ؟" " انني لا اتحدثها بسهولة فانا لدي المام قليل باللغة المجرية ولا ادري ان كان هذا يعنيني ام لا ولكن ما اردته هو ان اتحدث الى الاتراك بلغتهم وقد أسعدهم ان يقوموا بتعليمي " القت نظرة اخيرة على الفناء ورمقته بنظرة ذات معني وهى تسأله عن قصده " هل قلت لكل واحدة منهم يا مليحة " " كلا يا عزيزتي الغيورة لم افعل ذلك "و مال نحوها واقترب وجهه كثيرا من وجهها وأضاف قائلا " لست انت التى تسعي وراء المديح في ترغبين في زيارة المتحف الاسلامي الان ؟" فأومأت برسها علامة الموافقة وداعب خدها باصبعه ثم شق طريقه حول جدران المسجد حيث تقع المطابخ القديمة ورأت لافتة صغيرة بالانجليزية والتركية تعلن عن مجموعة من اثمن المؤلفات وكتب التراث الاسلامية في العالم واشتري مارك تذكرتين للدخول وقادها الى اولي الغرف وفيها رأت مجموعات المصاحف النادرة وخاصة المصاحف التى صنعت في قرطبه بأسبانيا وتلك التى تنتمي ال عصر السلاجقة كما شاهدت المصاحف الفاخرة التى ترجع الى العصر العثماني ورأت لوحة معلقة على احد الجدران وهى تحمل توقيعات واختام مختلف السلاطين . سألته مادلين قائلة " انك تبدو شغوفا بهذه المعروضات اليس كذلك " " فأومأ برأسه موافقا اياها وقا لها " لك ان تتخيلي مستوي الحضارة التى انتجت هذه الأشياء الجميلة انها في رأس واحدة من أعظم الحضارات في العالم " فنظرت اليه وهى لا تدري ان كانت توافقه او تعارضه وقالت له " كان الامر على مايرام بالنسبة للرجال " فرد عليها بقوله " لقد كان للنساء دورا محددا في المجتمع وهذا جعلهن يكسبن الاحترام فالحياة العامة متروكة للرجال اما المراة فانها هى التى لها السيادة في البيت والرجل يوفر لها حاجياتها وهو رأس الاسرة المسؤول عنها " وعارضته قائلة " ولكن لنفترض انها ارادت ان تفعل شيئا في نطاق الحق المباح لها فهل كانت تستطيع ؟" " نعم كانت تستطيع ولكن قثليلات هن اللواتي كن يرغبن في هذا فلماذا تنافس في محيط الرجل في حين ان لها مجالها الخاص بها ؟ فان هى انتزعت من مجالها المخصص لها مثلما حدث في بعض المجتمعات والثقافات فانه يجب عليها عنئذ ان تلجأ الى مثل هذا التصرف ولكن في الحالى التى نحن بصددها مازال دورها كما هو بدون ان يمسه احد وهى في قمة السعادة والقناعة بهذا الدور " " ربما كان هذا هو رأيك ؟" " فعلا فهي واثقة من نفسها ولا تحاول ان تجعل من نفسها بديلا مصطنعا للرجل وان تنازله في ميدانه " " ولكنها تظل ملكا له بغض النظر عما تقوله " وضحك مارك وقال لها بفي تهكم " الا تفضلين ان تكوني ملكا للرجل على ان تكوني مساوية للفأر ؟" وحولت مادلين بصرها عنه وهى تدرك انها تخوض مناقسة غي مأمونة وقالت له " يجب ان اعود الى البيت " رمقها لحظة وهى تغالي رغبتها في البقاء معه وفي عمل كل مايريده هو وقا ل لها " ان اردت فهمم الاسلام على نحو افضل فسوف اصحبك لمشاهدة مسجد ايوب " ووضع يده على كتفها ثم اردف " ويمكنك بعد ذلك العودة الى البيت " وقالت وهى لا تخفي ابتهاجها " يقع المسجد عند الطرف الاخر من القرن الذهبي اليس كذلك ؟ نعم يا مارك ارجو ان تصحبني الى عناك ! هل سنذهب حقا الى هناك 9 – هللّي يا مليحة لم يجد مارك صعوبة في شق طريقه عائداً الى جسر جالاتا . وسارت مادلي خلفه سعيدة بما تراه ، وارادت ان تعطي بعض النقود لمتسولٍ صادفته في الطريق ولكن مارك منعها فتنهدت قائلة : " إنك بلا قلب " " تقصدين اني لست شاعرياً مثلكِ ، سيأتي اليوم الذي تدهمكِ فيه الواقعية الصارمة وتنزل بكِ الجزاء الذي تستحقين وانتِ تلاحقين فراشاتكِ الجميلة لإصطيادها ، وعندئذ سوف تتمزق حياتكِ وتتبعثر " . وابتسم في سخرية واضاف قائلاً : " لنأمل ان يكون ما الى جواركِ حينئذ لكي يجمع الاجزاء المبعثرة .. " وعبّرت الظلال وجه مادلين ، فهي تعلم متى ستجيء اللحظة التي تتمزق فيها حياتها ، وهي تدرك ايضاً انه لن يكون هناك احد الى جانبها لكي يجمع الشتات المبعثرة ، ستأتي تلك اللحظة عندما ترحل عن اسطنبول و تختفي من حياة مارك الى الابد ،.. وأخرجها وصولها الى جسر جالاتا من حالة القطنوط التي تملكّتها . كانت الشمس قد اختفت وراء السحب الممطرة لكي يأتي الظلام مسرعاً كما هي الحال في الشتاء ، ولكن الممر المؤدي الى الجسر كان شديد الازدحام كالمعتاد ، وجلس على جانبيه باعة السمك والاطعمة ، وراحت النسوة بملاءاتهن السوداء يسرعن الخطى وهنّ يحملن الحقائب المليئة بالسلع التي اشترينها من السوق ، في حين راح الرجال يذرعون الطريق بهدوء وسط السيارات المتلاصقة التي عجّت بها الطريق . وتخلّفت مادلين قليلاً عن مارك الذي كان يشق طريقه بصعوبة وسط الزحام الى ان غاب عن بصرها ، فراحت تبحث عنه في قلقٍ بالغ إلى ان وجدته واقفاً امام حلقة لبيع السمك وهو يراقب ما هي فيه من فزع ، وقال لها في فتور بدون ان يبدي ان تعاطفٍ نحوها : " من الافضل لكِ ان تمسكي بيدي ! " وامسكت بيده وهي تواقّة الى هذا وسألته " :هل سبق ان شاهدت الجسر وهو مفتوحٌ في الصباح الباكر ؟ " " شاهدته مرة ، والطريف أن هذا الجسر هو الذي سميت باسمه لعبة الورق المعروفة بلعبة البريدج ! فقد ظلّ لفترة طويلة هو الجسر الوحيد عبر القرن الذهبي ، ولهذا اشتهر باسم الجسر بدون ان يطلق عليه أيّ اسم آخر ، وتصادف أن كانت اسرة انكليزية يعيش جزء منها عند احد طرفي الجزء في حين يقطن منها الجزء الآخر الطرف الثاني ، وكان افراد العائلة يجتمعون عادةً كلّ مساء لكي يلعبوا بعض طرق لعب الورق التي ابتكروها ، ولم يكن البعض يميل الى عبور الجسر الى الطرف الآخر بسبب ماكان يتعرض له الافراد من ابتلال ملابسم بمياه الامطار ، فأتفقوا فيما بينهم على ان يتبادل الجانبان العبور الى الطرف الآخر من الجسر كلّ ليلة ، وكان البعض يقول للآخر : عليكَ الدور للعبور غداً ، ولهذا اصبحت اللعبة التي يلعبونها تعرف باسم بريدج اي الجسر ! " اغتبطت بتلك القصة ، ولكن انتبهاهها سراعان ما اتجه ناحية مجموعة من الزوارق اسف الجسر اخذ احد تلك الزوارق يستعد لشق طريقه عبر القرن الذهبي متجها الى مياه اوروبا العذبة ، وهو الاسم الذي يطلق على مجرى المائي الذي يصب في القرن الذهبي ، واخذت تراقب انعكاس ضوء الشمس الغاربة على سطح الماء ، وتتخيل هذا المكان في غير هذا الوقت الذي توشك الامطار أن تهطل فيه . ولم يكن لدى مارك وقت يضيعه في التخيل فأسرع بإصطحابها الى محطة السيارات العامة ، حيث استقلا الباص ، ولم تجد مادلين شيئاً تتعلق به فأمسكت بيد مارك الذي اخذ يحميها من اية مضايقات قد تتعرض لها . وابتسمت مادلين لمارك وهي تراه يطوّقها بذراعه ليمنعها من السقوط ، ويمسك بأحدى يديه مقبض النافذة ، واخذت نبضات قلبها تدق مسرعةً وهي لاتجد القدرة على ان يلتقي بصرها بعينيه ، واكتفت بالنظر الى ياقة قميصه الملوّن ، ورباط عنقه المنقوش المتلاءم مع شخصيته التي تتسم بالرجولة المتعجرفة . كان الباص يتحرك ببطء شديد ، وبدى لها انه حتى لو كان خاليا من الركاب فإنه ماكان ليستطيع ان يسير بأسرع من ذلك ، واخذ الباص يتمايل ويترنح في سيرهِ ، وبدّل مارك يده الاخرى باليد الممسكة بمقبض النافذة في حين أخذ يطوقها بذراعه الاخرى ، وفي لحظة احست مادلين بأن شفتيه لامستا اسفل اذنها مما جعل قلبها يسرع في خفقاتهِ ، وقد تملّكها الحياء الذي منعها من النظر اليه ، وراحت تقاوم حتى لا يتلّون خداها بالاحمر ، ولكنها احست بأنها اخفقت في محاولتها هذه ، وهذا ما تأكدت منه عندما شعرت بذراعه تشتد في تطويقها لها ، وراح يبتسم ابتسامة الظافر بطريقة تتسم بالرجولة والتفوّق ، وهو ماعبر عنه ايضاً البريق الذي انبعث من عينيه ، وسألها قائلاً :" ألا ترين يا مليحتي أن كلا منا في حاجة الى وصيفة لترافقه لحمايته ؟ او اننا في حاجة الى عدد من الوصيفات ؟ " وحاولت الاحتفاظ بتوازنها وهي تشغل نفسها بالنظر من النافذة الى الشوارع التي اخذ الظلام يزحف اليها ، وتوقف الباص فجأة واسرع مارك يشق طريقاً لها نحو الباب ، واستطاعت هي ان تخلص نفسها من الزحام بصعوبة وتهبط فوق رصيف الشارع ، ووقف مارك ينتظر ريثما انتهت من اصلاح هندامها ، وقال لها :" لو اسرعنا لأمكننا ان نرى المسجد من الخارج في ضوء النهار " ومضى مارك يقول .. " في هذه القرية جلس بيير لوتي في احد المقاهي يستوحي من الجو المحيط به مايعنيه في كتابة رواياته عن اضمحلال الامبراطورية العثمانية ، يجب عليكِ قراءة تلك الروايات ان اردتِ معرفة الحالة التي كان عليها اسطنبول قبل ان يستولي على السلطة فيها الاتراك الشبّان " ولم تزعم مادلين انها قرأت كتبه ، ولكن بما انها تتمسك بالصدق وهي تعلم انه لابد ان يدرك انها لم تقرأ ايّة رواية فرنسية في حياتها فإنها تحلّت بضبط النفس ، وسارت خلفه حتى بلغا ميدانا فسيحاً وشعرت بجو من السلام والامان يشيع من حولهما وهما يقتربان من مسجد ايّوب ، وسمعا صوت المؤذن يدوّي : الله أكبر ، لا إلا الله ، ولاحظت مادلين أن المؤذن يؤذن بنفسه من فوق مئذنة المسجد بدون الاستعانة بمكبر للصوت . وقال لها مارك انه مسجد ايوب بن زيد الانصاري احد صحابة الرسول ( صل الله عليه وسلم ) وقد اصبح مضرب الامثال في القدرة على الصبر والتحمّل ، واستشهد اثناء حصار المسلمين العرب لهذه المدينة عام 669 ميلادية ، ودفن في ميدان القتال ، وظل هكذا بدون ان يستدل على المكان الذي دُفن فيه ،