الفصل العاشر: اصوات من الاعماق
وقف بولطا أمام النافذة، يحدق بذهول في الفوضى العارمة التي اجتاحت الحي. لم يكن ما يراه مجرد شجار عشوائي أو حالة ذعر مؤقتة، بل كان شيئًا أبعد من ذلك… كان الناس يسقطون على الأرض، يتلوون وكأن أجسادهم تتمزق من الداخل، وآخرون يهاجمون جيرانهم كحيوانات مفترسة، دون أي أثر للوعي في عيونهم. مشهد مخيف، وكأنه كابوس يقفز من صفحات روايات الرعب إلى الواقع.
لم يستطع البقاء صامتًا أكثر، فصرخ بصوت مرتجف وهو يلتفت نحو الداخل:
— "فيوليت! يورغان! سافانا! تعالوا إلى هنا بسرعة!"
هرعت فيوليت إلى الغرفة، بينما تبعها يورغان وهو يحمل هاتفه، وسافانا تمسك بطرف معطف والدتها، نظراتهم مليئة بالحيرة.
— "ما الأمر؟" سألت فيوليت بقلق، لكنها لم تحتج إلى إجابة.
بمجرد أن اقتربوا من النافذة، تجمدوا في أماكنهم. كانت فيوليت تضع يدها على فمها، بينما يورغان قبض على هاتفه بشدة، وسافانا تراجعت إلى الخلف وهي تمسك بوالدتها.
— "يا إلهي…" همست فيوليت.
— "هذا ليس طبيعياً أبداً." قال يورغان بصوت منخفض، وهو يراقب رجلاً في الشارع يسقط على ركبتيه، جسده يرتعش بجنون، ثم يرفع رأسه ببطء لتظهر عيناه السوداوان بالكامل. لم يكن هناك أي شيء بشري فيهما.
شعر بولطا أنه لا يستطيع البقاء هنا أكثر، لا بد من الخروج قبل أن ينهار الوضع تمامًا. التفت إلى عائلته وقال بحزم:
— "علينا المغادرة. الآن!"
لكن قبل أن يتحرك، رن هاتفه فجأة، جعل قلبه يقفز للحظة. التقطه بسرعة، ورأى اسم "دالباي" يضيء على الشاشة.
— "دالباي، ماذا لديك؟" قال بولطا بصوت سريع.
— "بولطا، الوضع يزداد سوءًا. تلقيت معلومات بأن الفيروس لم يعد محصورًا هنا، بل بدأ بالظهور في مناطق أخرى… حتى كابادوكيا لم تسلم منه."
كابادوكيا؟ كيف يمكن للفيروس أن ينتقل بهذه السرعة؟ هل هو محمول في الهواء؟ أم أن هناك شيئًا آخر وراءه؟
— "علينا الالتقاء، لا يمكننا البقاء متفرقين أكثر من هذا." تابع دالباي.
— "أوافقك الرأي، سأخرج الآن." قال بولطا، ثم أنهى المكالمة. التفت إلى عائلته وقال بسرعة: "حزموا أغراضكم الضرورية. لا وقت لنضيعه."
لكن عندما فتح الباب، لم يجد نفسه أمام مخرج هادئ… بل أمام كابوس حي.
رجل يقف هناك، جسده يرتعش، وجهه شاحب بشكل غير طبيعي، وعيناه سوداء مثل الليل. وبمجرد أن رآه بولطا، أطلق ذلك الرجل صرخة غريبة، وانقض عليه بجنون!
بسرعة، تراجع بولطا إلى الخلف، وحاول إغلاق الباب، لكن الرجل كان أقوى مما يبدو. دفع بكتفه الباب بقوة، مما جعل بولطا يسقط أرضًا، لكنه لم يكن مستعدًا للاستسلام بهذه السهولة. مد يده بسرعة والتقط مزهرية زجاجية من الطاولة، وضرب بها رأس الرجل بكل قوته.
تحطم الزجاج، وسقط المهاجم أرضًا، يئن بصوت غريب، قبل أن يتشنج للحظات، ثم يهدأ تمامًا. وقف بولطا، يلهث وهو ينظر إلى الجسد الساكن.
— "بولطا، هل أنت بخير؟!" صاحت فيوليت من الداخل.
— "أنا بخير… لكن علينا الخروج الآن!"
أمسكوا بأغراضهم، وانطلقوا بسرعة نحو السيارة، بينما كانت الفوضى حولهم تزداد سوءًا.
---
في الجانب الآخر من الحي، كان هارولد يشق طريقه بحذر، محاولًا فهم ما يحدث. كان قد رأى حالات غريبة، لكن ما يحدث هنا كان أسوأ مما تصوره. كان هناك أشخاص يسيرون ببطء، وكأنهم في غيبوبة، بينما آخرون يهاجمون كل من يقترب منهم.
لكنه لم يكن مستعدًا لما حدث بعد ذلك.
بينما كان يسير في أحد الأزقة، سمع صوتًا خلفه. التفت بسرعة، ورأى رجلاً يحدق به بعينين خاليتين من الحياة. لم يكن لدى هارولد وقت لرد الفعل، لأن الرجل قفز عليه فجأة!
دفعه هارولد بعيدًا، لكن الرجل كان أقوى مما يبدو. كاد أن يسقط أرضًا، لكنه تمكن من توجيه لكمة قوية إلى وجه المهاجم، مما جعله يترنح للحظات، لكن ذلك لم يوقفه. بدأ يقترب منه مجددًا، لكن هذه المرة، كان هارولد مستعدًا. التقط قضيبًا حديديًا كان ملقى على الأرض، وبضربة واحدة، أسقط الرجل تمامًا.
كان يلهث وهو ينظر إلى الجسد الذي لا يتحرك، ثم رفع رأسه ونظر حوله.
— "هذا ليس فيروسًا عاديًا…" تمتم لنفسه.
---
بعد دقائق، التقى بولطا وهارولد أخيرًا في إحدى الزوايا المهجورة من الحي. لم يكن هناك وقت للترحيب أو الأسئلة الطويلة، فكل واحد منهما كان يحمل في داخله صدمة مما رأى.
— "علينا المغادرة فورًا." قال بولطا.
— "قبل أن نفعل ذلك، هناك شيء يجب أن تعرفه." قال هارولد وهو يحدق به بجدية.
توقف بولطا، ونظر إليه بترقب.
— "لقد سمعت شيئًا من أحد الرجال هنا…" تردد للحظة، ثم تابع: "السبب وراء هذا الفيروس ليس طبيعياً. قيل لي إنه مرتبط بموجات صوتية غير مسموعة للبشر، تصدر من أعماق الأرض… من طبقات تحت البراكين."
حدق به بولطا بصدمة. موجات صوتية؟ كائنات تحت البراكين؟ كيف يمكن أن يكون هذا ممكنًا؟
لكن لم يكن هناك وقت للتفكير.
فجأة، سمعا صوت سيارة تقترب، ورأيا دالباي يخرج منها، تعابيره جادة.
— "الأمر يزداد سوءًا، حصلت على أخبار تفيد بأن الفيروس انتشر في مناطق أخرى… من بينها كابادوكيا."
كابادوكيا مرة أخرى… إذن، هذا ليس مجرد انتشار عشوائي. هناك نمط لما يحدث.
نظر بولطا إلى دالباي وهارولد، وقال بصوت حاسم:
— "علينا التحرك الآن، قبل أن تصبح الأمور أسوأ."
لكن في اللحظة التي استعدوا فيها للمغادرة، سمعوا جميعًا صوتًا قادمًا من السماء… صوتاً غريباً، أشبه بنبضات منخفضة التردد، لكنها اخترقت عظامهم وجعلت رؤوسهم تدور للحظة.
نظروا إلى بعضهم البعض بصدمة… ثم سمعوا الصراخ من خلفهم.
يتبع...