عودة بلا وداع
مرت أيام الدراسة في فرنسا بسرعة، مشحونة بالانشغال بالاختبارات، المشاريع، والمحاولات للتكيف مع حياة الغربة. ورغم انشغاله، كان ظلال يجد دائمًا الوقت للاتصال بوالدته. كانت كلماتهما مختصرة، لكنها كانت كافية لتطمئن قلبه. كان يرسل لها المال من عمله الجزئي، يعتني بها بطريقته، حتى وإن كان بعيدًا.
لكن ذات يوم، وفي منتصف الأسبوع، تغير كل شيء. هاتفه رن بصوتٍ عالٍ وهو في منتصف إعداد مشروعه الجامعي. كانت المكالمة من أحد أقاربه.
"ظلال، كيف حالك؟" كان الصوت في الطرف الآخر متوترًا، وكأن الكلمات لا تجد طريقها بسهولة للخروج.
"بخير، ماذا هناك؟"
تردد الصوت للحظات قبل أن ينطق بالحقيقة التي ستغير حياة ظلال إلى الأبد.
"أمك... لقد توفيت."
كان الصمت مُطبقًا. علق الهاتف بين يديه، غير قادر على تصديق ما يسمعه. كيف يمكن لذلك أن يحدث؟ لقد تحدث إليها مؤخرًا، كانت تبدو بخير... لا شيء في مكالماتهما الأخيرة يوحي بأي مشكلة.
"ما الذي تقوله؟" سأل ظلال بصوت خافت، وكأن الكلمات تهرب من بين شفتيه. "كيف... متى حدث هذا؟"
"الأمر كان مفاجئًا، ظلال. لقد كانت تعاني بصمت، ولم يكن أحد يعرف حقيقة حالتها الصحية."
ظل جالسًا في مكانه، يحمل هاتفه كما لو كان جسده قد شل. كل الأفكار بدأت تدور في رأسه بسرعة. كيف رحلت والدته دون أن يتمكن من وداعها؟ لم يكن موجودًا ليكون بجانبها في لحظاتها الأخيرة.
شعر باليأس يغمره، ثم بدأ يطرح الأسئلة: "هل كانت مريضة؟ لماذا لم تخبرني؟ هل... هل كان هناك شيء لا أعلمه؟"
"لا نعرف كل التفاصيل بعد، لكن يبدو أنها كانت تخفي مرضها عن الجميع... لم ترد أن تقلقك."
انهارت الكلمات بداخله، ولم يبق سوى شعور واحد يعصف بروحه: العجز.
لم يستطع العودة إلى بلده بسبب ارتباطه بالجامعة والتزاماته التي حالت دون ذلك. كان يشعر بثقل القرار الذي اتخذته والدته عندما أخفت عنه مرضها، ربما لحمايته. ولكن ماذا عن نفسه؟ كان يعيش بعيدًا عن الوطن، يتحدث مع والدته يوميًا، ولم يكن يعرف شيئًا عن الألم الذي كانت تمر به.
في تلك اللحظة، فهم أن والدته قد رحلت، وأنه لن يعود ليجدها في البيت الذي كان يملأه حنانها. كان عليه الآن أن يكمل طريقه وحده، يتعلم مواجهة الحياة دون دعمها. لكنه قرر شيئًا واحدًا: بمجرد إنهاء دراسته، سيعود إلى منزله، وسيدفن كل الأسئلة التي تدور في ذهنه حول والدته وعلاقتها بحياته وبماضيه الغامض.