رحلة البحث - الفصل الثامن:ظلال على ديميركابي - بقلم سليم عبد المنعم | روايتك

اسم الرواية: رحلة البحث
المؤلف / الكاتب: سليم عبد المنعم
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن:ظلال على ديميركابي

الفصل الثامن:ظلال على ديميركابي

وقف هارولد وسط شقته، ينظر حوله بعينين مرهقتين، وكأن كل شيء أصبح غريبًا عليه رغم أنه منزله. كانت حقيبته نصف ممتلئة، ملقاة على السرير بإهمال، وبجانبها بعض الملابس المطوية بعجلة. لم يكن الأمر سهلًا—أن يترك كل شيء خلفه ويرحل هكذا، لكن بعد الليلة الماضية، لم يعد هناك خيار آخر. أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا استعادة توازنه، ثم بدأ يجمع حاجياته بصمت. التقط هاتفه وشحّنه، وضع بعض الطعام الجاف في حقيبته، ثم تردد للحظة وهو ينظر إلى صورة قديمة موضوعة على الطاولة. كانت صورة تجمعه مع والده في أيام أفضل، حيث لم يكن هناك خوف أو كوابيس تلاحقه. ابتسم بمرارة، ثم وضع الصورة في الحقيبة وأغلقها بإحكام. وقف أمام المرآة، يتأمل وجهه الشاحب وعينيه المرهقتين. "لم أنم جيدًا..." تمتم لنفسه، لكنه لم يكن بحاجة إلى تأكيد ذلك، فقد كان الإرهاق واضحًا عليه. أخذ سترته، ارتداها بسرعة، ثم مد يده إلى الباب ببطء. للحظة، شعر وكأن شيئًا يمنعه من فتحه، كأن الهواء خلفه أكثر أمانًا مما قد يواجهه في الخارج. لكن لا مجال للتردد الآن. أدار المقبض وفتح الباب، ليلفحه نسيم الصباح البارد، فخرج وأغلقه خلفه دون أن ينظر للوراء. هبط الدرجات بسرعة، خطواته تتردد في الممر الخالي. كان المبنى صامتًا بشكل غير مألوف، حتى ضوء الشمس الذي كان يجب أن يغمر المكان بدا باهتًا ومريبًا. عندما خرج إلى الشارع، ألقى نظرة خاطفة إلى الجهة التي واجه فيها ذلك الرجل المرعب الليلة الماضية. لكن ما رآه جعله يتوقف فجأة. لا شيء. لا أثر للرجل، ولا دماء، ولا حتى أي علامة تدل على أنه كان هناك أي شيء غير طبيعي. كأن ما حدث لم يكن سوى كابوس عابر. عبس هارولد، وهو يتلفت حوله بحذر. كان يتوقع رؤية أي شيء—أي إشارة إلى أن الليلة الماضية لم تكن مجرد وهم. لكنه لم يجد شيئًا. "مستحيل..." تمتم لنفسه، وهو يقترب ببطء من المكان الذي سقط فيه ذلك الشيء. لمس الأرضية بأطراف أصابعه، لكن لم يكن هناك دم، لا خدوش، لا شيء. ارتفع توتره أكثر، وبدأ قلبه ينبض بسرعة. هل كان يتخيل كل شيء؟ لا، مستحيل. ما واجهه لم يكن كابوسًا، لقد شعر بكل شيء—الدماء، المخالب، الألم في جسده. لكن الآن، لا يوجد أي دليل على ذلك. شعر بقشعريرة تسري في جسده، فابتعد بسرعة، متجهًا إلى سيارته. ركبها، أشعل المحرك، ثم انطلق مبتعدًا عن المدينة، متجهًا نحو ديميركابي، لكن شعورًا غريبًا ظل يرافقه طوال الطريق، وكأن شيئًا ما يراقبه من بعيد. في الجانب الآخر، كان بولطا قد عاد إلى بيته بعد الاجتماع مع دالباي وأنغريد. ألقى بجسده على الأريكة، عينيه تحملان إرهاقًا لا يوصف. شعر بثقل في صدره وهو يستعيد صور والدته في ذهنه، كيف تحولت، كيف كادت تقتله. أغلق عينيه بقوة، وكأنه يحاول طرد الذكريات، لكنه فشل. أخرج هاتفه، بدأ يتصفحه ببطء، محاولًا إلهاء نفسه بأي شيء آخر. الأخبار، المنشورات العشوائية، أي شيء يبقيه بعيدًا عن أفكاره. لكنه لم يكن يتوقع أن يجد ما وجده. "انفجار بركان الجهة الشرقية لولاية ديميركابي!" تجمدت أصابعه فوق الشاشة، بينما حدق في العنوان بصدمة. ضغط على الخبر بسرعة، لتظهر أمامه التفاصيل: "في ظاهرة غريبة وغير متوقعة، شهد البركان الخامد في الجهة الشرقية من ولاية ديميركابي انفجارًا مفاجئًا مساء أمس. ووفقًا للمصادر الجيولوجية، لم تكن هناك أي إشارات تحذيرية تدل على اقتراب الانفجار، مما يجعل هذا الحدث غير مسبوق. السلطات تحذر السكان من الاقتراب من المنطقة، في حين لم يتم تسجيل أي خسائر بشرية حتى الآن. التحقيقات لا تزال جارية لمعرفة السبب وراء هذه الظاهرة الغامضة." ظل بولطا يحدق في الشاشة دون أن يرمش، عقله يعمل بسرعة جنونية. بركان؟ في ديميركابي؟ ولم تكن هناك إشارات تحذيرية؟ كيف؟ مرر يده على وجهه، وهو يحاول تهدئة أفكاره المتشابكة. ثم بدأ يتمتم لنفسه: "نحن في شمال الولاية… البركان في الجهة الشرقية... لكن هل يمكن أن يكون هذا مرتبطًا بما يحدث في حي أكسرا؟" شعر بقشعريرة غريبة تسري في جسده، وكأن هذا الخبر لم يكن مجرد حادث طبيعي، بل قطعة أخرى من اللغز الذي بدأ يكشف عن نفسه. في هذه الأثناء، كان هارولد قد اقترب شيئًا فشيئًا من ولاية ديميركابي. الطريق أمامه كان هادئًا، الشمس مشرقة في السماء، لكن مع اقترابه من حدود الولاية، بدأ شيء غريب يحدث. ببطء، بدأ الضوء يتلاشى. في البداية، ظن أن عينيه تخدعانه، لكن الأمر كان حقيقيًا—كلما اقترب أكثر، كلما أصبح كل شيء أكثر قتامة. رفع حاجبه بقلق، ثم نظر إلى ساعته. الساعة تشير إلى الواحدة والنصف ظهرًا. ولكن… لماذا بدا وكأنه قد دخل إلى الليل؟ شعر بقلبه ينبض بقوة، وهو يبطئ سرعة السيارة قليلًا. رفع رأسه إلى السماء—لم يكن هناك أي غيوم، لا أمطار، ومع ذلك، بدا وكأن الشمس تُبتلع ببطء، والظلام يتسلل إلى الأفق. تمتم بصوت مرتجف: "ماذا يحدث هنا…؟ الساعة تشير إلى الواحدة… ولكن ما سبب هذا الظلام…؟" لم يكن يعلم أن الإجابة كانت تنتظره في قلب المدينة، حيث كان الرعب الحقيقي على وشك أن يبدأ. يتبع...