هل كشفت كل الأسرار ام ماذا ؟؟؟؟
"إلى من كانت النور حين كدتُ أغرق في الظلام... إلى من رأت فيّ كاتبةً حين فقدتُ الإيمان بنفسي... إلى القلب الذي منحني الحافز، والدافع، والشجاعة لأكتب وأكمل حتى النهاية. ريهام، لولاكِ لما خُطّت هذه الحروف، ولما وُلدت هذه القصة. كنتِ الصوت الذي يهمس في أذني دائمًا: "لا تتوقفي"، وكنتِ اليد التي دفعتني للأمام حين كدتُ أسقط. شكرًا لأنكِ كنتِ الحلم حين تلاشى، والأمل حين خفت، والشغف حين كاد ينطفئ. هذه القصة ليست قصتي وحدي… بل قصتنا معًا."
"بعض اللقاءات لا تُحيي الماضي، بل تمزّق الجروح التي لم تلتئم قط."
"حين يطرق الماضي بابك، لا يسأل إن كنتَ مستعدًا… هو فقط يقتحمك بكل ما كنت تحاول نسيانه."
"هناك نظرات تسرق أنفاسك، لا لأنها جميلة، بل لأنها تحمل كل ما هربتَ منه."
"الحب؟ الخيانة؟ الفقد؟… أحيانًا، لا نعرف الفرق بينهم إلا بعد فوات الأوان."
"الماضي لا يموت… بل ينتظر اللحظة المناسبة ليقتلك."
"اسمهان لا ترحم… اسمهان لا تسامح… واسمهان لا تهرب، لكنها اليوم تركض، ليس خوفًا، بل لأن ما تواجهه أقوى من أي عدو قابلته من قبل."
العالم كله اختفى في تلك اللحظة.
لم يبقَ سوى صوت العاصفة، ورياح هوجاء تعصف بروح أسمهان، وعينان سوداوَان تقف أمامها كأنهما ظلٌ لماضٍ حاولت دفنه بعمق، لكنه ينبش قبره بيديه ويعود حيًا أمامها.
عيناه التقتا بعينيها...
لم يكن في نظراته دهشة، لم يكن في نظراته صدمة، فقط هدوء بارد... قاتل، وكأنه كان يعرف أن هذه اللحظة ستأتي، وكأن اللقاء لم يكن مفاجئًا له كما كان لها.
وقف هناك، بلا حركة، بلا كلمة، بينما العاصفة داخلها تضرب بلا هوادة.
يدها النازفة، الجرح الذي لم تكلف نفسها عناء لفّه، البرودة التي تجتاح أطرافها، كلها أشياء لم تعد تعني شيئًا الآن.
كل شيء تحطم أمام تلك الحقيقة التي وقفت أمامها...
وأخيرًا، بعد لحظة طويلة، تحركت شفتاه، وصوته خرج ثابتًا، بلا تردد، بلا ارتباك، بلا ندم:
"مر وقت طويل، أسمهان."
ذلك الصوت... اللعنة على ذلك الصوت.
كان يشبه الماضي، يشبه ذكريات ظنت أنها قتلتها، دفنتها، حرقتها، لكنها الآن تعود وتنتفض أمامها مثل شبح قديم يرفض الرحيل.
لم تتكلم. لم تتحرك. لم ترتعش حتى.
لكن عقلها ظل يصرخ بجنون...
"سليم... ماذا تفعل هنا؟!"
لا إجابة. لا رد. لا شيء سوى نظراتٍ لا يستطيع أحد فك شيفرتها.
أهو شوق؟ أهو ندم؟ أهو خيانة؟
ولكن هناك شيء واحد نعلمه جميعًا...
أسمهان لا ترحم، أسمهان لا تسامح.
(•••)
المشهد لم يكن صادمًا لأسمهان وحدها... بل للجميع.
مالك كان يراقب ملاك، نظراته تتلون بالغموض، بالحيرة، بالوجع.
أهي حب؟ أم كره؟
ولكن كيف لأخ أن يكره أخته؟!
نعم، مالك شقيق ملاك.
ولكن... ما الذي حدث حتى افترقا؟
ما الذي دفع أحدهما إلى طريق، والآخر إلى طريق مضاد؟!
أبعد مالك نظراته عن شقيقته، لكنها كانت لا تزال هناك، في رأسه، في قلبه، في تلك الأسئلة التي لا إجابة لها.
وفي لحظة، وبنبرة قطعت الصمت كالسيف، قال مالك كلمة واحدة...
الكلمة التي كانوا جميعًا يخشون سماعها
همس مالك بصوت كاد يختلط بأنفاسه: "نوكسفيرا."
للحظة، ظن الجميع أن الزمن توقف.
تجمدت ملامح ملاك، كأنها فهمت أخيرًا ما حاولت إنكاره.
لمعت عينا أسمهان ببريق بارد، ليس غضبًا، ليس دهشة… بل حسمًا.
"إذن... انتهى زمن الأكاذيب."
(نوكسفيرا: كلمة غامضة اخترعوها مع آدم، لا تعني شيئًا لأي شخص خارج دائرتهم، لكنها كانت تعني لهم كل شيء... تعني أن الأمور قد بدأت، أن لا شيء سيكون كما كان بعد الآن.)
تلك الكلمة جعلت الصمت يزحف في المكان كأفعى سامّة، جعلت الجو يختنق، جعلت الأنفاس تتوقف.
(•••)
لا أحد يستطيع تحمل كل هذه الصدمات.
لكن أسمهان فقط...
تستطيع.
استعادت نظراتها الباردة، تلك النظرات التي لو كانت تقتل، لقَتَلت الجميع ألف مرة.
قالت بصوت أشبه بسكين مغروس في صدر الزمن:
"ادخلوا."
لم تعر سليم أي اهتمام، لم تلتفت إليه حتى، كأنه مجرد طيف بلا قيمة، كأن وجوده محض سراب.
دخل مالك وسليم إلى الداخل.
أما أسمهان، فتنهدت بصمت، ثم التفتت إلى ملاك التي كانت تحت الصدمة، كانت على وشك الانهيار، لكن رغم ذلك...
لم تنسَ صديقتها.
لم تنسَ أن أسمهان كانت الدواء لها، ولم تنسَ أنها يجب أن تكون الدواء الآن.
تقدمت نحوها وقالت بحنانٍ خافت:
"تعالي، اضمد لكِ جرحك، لا يزال ينزف، ألا ترين؟"
لكن قبل أن تردّ أسمهان، تحرك سليم بسرعة، أمسك يدها بقوة، وصرخ:
"ما الذي...؟! اللعنة، ماذا فعلتِ؟!"
لكنها، بسحبة واحدة، انتزعت يدها منه بعنف، فتدفقت الدماء من الجرح كالشلال، لكنها لم تهتز، لم تتألم، فقط همست بكلمات جليدية كأنها لعنة:
"لا تلمسني، سليم. لا تجرؤ."
ثم استدارت ومشت... كأن لا شيء حدث
انطلقت إلى سيارتها بجنون، ألقت بجسدها المرتجف داخلها وأدارت المحرك بيدين مرتعشتين، ثم ضغطت على دواسة الوقود كأنها تهرب من شيء يطاردها، شيء يحاول انتزاع أنفاسها، شيء دفنته يومًا وظنت أنه لن يعود.
لكن الماضي لا يُدفن، الماضي وحش نائم، وحين يستيقظ، لا يقرع الأبواب، بل يقتحم حياتك دون رحمة. تظن أنك قوي، أنك نسيته، أنك دفنته تحت طبقات من الادعاءات والضحكات الزائفة، لكن في لحظة، في نظرة، في كلمة عابرة، ينهار كل شيء.
تتسارع أنفاسها، قلبها يضرب صدرها بجنون، وكأنها في سباق يائس مع القدر. تريد الفرار، تريد أن تترك كل شيء خلفها، لكنها تدرك الحقيقة القاسية: لا مهرب. الماضي ليس ظلًا يبهت، بل لعنة تتربص، تنتظر اللحظة المناسبة لتغرس أنيابها فيك مجددًا، لتذكّرك بأنك لم تشفَ أبدًا، بأن الألم لم يكن يومًا ذكرى، بل ندبة ما زالت تنزف.
لم تكن تعلم أين تأخذها قدماها، وكأن الزمن عاد بها إلى ذلك اليوم المشؤوم قبل عشرة أعوام. لكنها في الماضي كانت تهرع إليه، تبحث عن الأمان في حضنه، أما اليوم فهي تهرب منه…
فلاش باك – قبل عشرة أعوام
كانت اسمهان في الخامسة عشرة من عمرها، فتاة مفعمة بالحياة، تنزل درج المنزل بخفة ومرح، شعرها يتطاير مع خطواتها السريعة وهي تهتف:
— "سآتي معك إلى الشركة اليوم، أبي!"
نظر إليها والدها، زين، بابتسامة دافئة ملؤها الحب وقال:
— "الشركة تضيء بحضور أميرتي الصغيرة."
لم يكن في هذا المنزل حب أعظم من ذاك الذي جمع بين زين وزوجته فيروز، ولم تكن هناك سعادة تضاهي فرحة فيروز بثمرة حبها الصغيرة، اسمهان. ودّعتهما بقبلة رقيقة على وجنتيهما، تراقبهما بعينين تفيضان حبًا واطمئنانًا.
وصل زين إلى شركته الفخمة، حيث كانت الأروقة الواسعة والمكاتب الأنيقة تعكس نجاحه وتاريخه الحافل. لطالما حلمت اسمهان بأن تدير هذه الشركة، أن تجعلها أعظم مما هي عليه. وبينما كانت تتأمل المكان بعينين حالمة، التقت عيناها بعينين أخريين… عينين كانت تحبهما بكل كيانها، حبًّا لا يمكن للكلمات وصفه.
لكن صوت والدها أيقظها من شرودها:
— "هيا، صغيرتي، لنذهب إلى المكتب."
ترددت للحظة، ثم التفتت إليه برجاء طفولي:
— "أبي، هل يمكنني أن أذهب مع سليم قليلًا؟ أعدك أنني لن أتأخر!"
ضحك زين وهو يرى بريق العشق الصغير في عينيها، بريقٌ كان مألوفًا له، فقد رآه يومًا في عيني فيروز. كان سعيدًا لأن صغيرته تذوق هذا الشعور الجميل… لكنه لم يكن يعلم أن هذا الشعور سيدمرها يومًا.
وقفت اسمهان أمام سليم، صمتٌ مشحون بالكلمات غير المنطوقة، نظرات تتحدث بلغة لا يفهمها سوى العاشقين. كان سليم أول من كسر الصمت، هامسًا:
— "آه من عينيكِ… كيف تغرقني وأنا سبّاح ماهر؟ آه من جمالهما القاتل… أريد أن أخبئكِ في داخلي، أن نهرب بعيدًا، أنا وأنتِ فقط… آه على هذا الشيء الذي ينهشني من الداخل، يسعدني حد الجنون، ويرفعني إلى سماء لا نهاية لها… أعشقكِ، اسمهان، وسأظل أعشقكِ، ولن تكون هناك امرأة غيركِ في قلبي!"
لمعت عيناها بدموع امتنان، وتمتمت بصوت مرتجف:
— "آه… والف آه من هذا الشعور… لا الكلمات، ولا الزمن، ولا أي شيء في هذا العالم قادر على وصف حبي لك… أنتَ ملاكي، أنتَ حياتي… بدونك، أنا بلا روح!"
ابتسما، وغمرتهما سعادة لم يظنا يومًا أنها قد تتحول إلى رماد. دخلا معًا إلى مكتب والدها، حيث كان والد سليم حاضرًا، مندمجًا مع زين في حديثٍ جاد. جلس سليم للحظات، ثم قال بثقة مفاجئة:
— "عمي زين… عندما أكبر، لن يأخذ أحد اسمهان مني، لأنها ستكون لي وحدي!"
ساد الصمت للحظة، قبل أن يبتسم زين ويهز رأسه متظاهرًا بالتذمر:
— "هممم… رغم أنني لا أحب مشاركتها مع أحد، إلا أنني أرى في عينيكما شيئًا أعرفه جيدًا… شيئًا شعرت به مع فيروز… وأعلم أن لا شيء سيفصل بينكما ما دامت هي تريدك."
ضحك والد سليم، قائلاً بثقة:
— "ستكونان ثنائيًا رائعًا… لكن لكل شيء وقته."
أمسك سليم بيد اسمهان بحنان، وتمتم:
— "هل يمكننا الخروج قليلًا إلى الحديقة؟ أعدك أنني سأعيدها للمنزل قبل أن تلاحظ غيابها!"
نظر زين إليهما بنظرة الأب الغيور، لكنه لم يستطع مقاومة حماسة صغيرته، فأومأ برأسه قائلاً:
— "حسنًا، لكن لا تجعلها عادة، مفهوم؟"
ضحك سليم وقال:
— "حاضر، عمي!"
وخرجا معًا، وسط ضحكاتهما الطفولية.
في الداخل، تبادل زين ووالد سليم النظرات، قبل أن يقول الأخير بجدية:
— "زين، هناك أمر مهم يجب أن تعرفه."
عقد زين حاجبيه:
— "ماذا هناك؟"
تنهد الرجل وقال بصوت خافت يحمل ألم الخيانة:
— "اكتشفت السارق… عرفت من كان يحاول تدمير شركتنا وإفلاسها."
تصلب جسد زين، وسأل بصوت متوتر:
— "من هو؟"
نظر إليه والد سليم بحزن وقال:
— "إنه شخص نعرفه جيدًا… شخص كان جزءًا من العائلة… لكنه ليس سوى خائن… إنه علي، زين. علي!"
تسمر زين في مكانه، وعيناه تتسعان بصدمة…
— من هو علي؟ ولماذا كانت هذه اللحظة بداية النهاية؟
— ما الذي حدث ليحطم حبًا كان يبدو خالدًا؟
— كيف تحولت اسمهان من فتاة حالمة إلى امرأة تهرب من الماضي؟
كل هذا… ستعرفونه في الفصل القادم!
"الحقيقة مثل النار، تحرق كل الأكاذيب التي تخفيها... لكن ماذا لو كانت الحقيقة نفسها لعنة؟! في الفصل القادم، ستُكشف أسرار الماضي، وستُحرق ذكريات لم يكن يجب أن تعود... فهل ستكون اسمهان قادرة على مواجهة ما ظنّت أنه دُفن؟! أم أن الظلام سيبتلعها قبل أن تجد طريقها للخلاص؟!"
Ghada hussein