رحلة البحث - الفصل الخامس :علامات غير مألوفة - بقلم سليم عبد المنعم | روايتك

اسم الرواية: رحلة البحث
المؤلف / الكاتب: سليم عبد المنعم
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس :علامات غير مألوفة

الفصل الخامس :علامات غير مألوفة

في ولاية ديميركابي، داخل منزل عائلة بولطا، كانت الساعة تشير إلى السابعة والنصف مساءً. أجواء المنزل كانت دافئة رغم برودة الطقس في الخارج، ورائحة الشاي الساخن ممزوجة بعطر الخشب المحترق في المدفأة انتشرت في الأرجاء، مما منح المكان إحساسًا بالراحة. جلس بولطا في غرفة المعيشة على كرسيه المفضل، مرتديًا قميصًا منزليًا بسيطًا وسروالًا دافئًا. أمسك بهاتفه متكئًا على ذراع الكرسي، ينظر إلى إشعاراته المتتالية دون اهتمام حقيقي. ظهرت رسالة جديدة من هارولد، لكنه بالكاد ألقى عليها نظرة قبل أن يضع الهاتف جانبًا، مفترضًا أنها مجرد رسالة عادية من ابنه الذي بدأ للتو حياته الجديدة. لم يكن يعلم أن تلك الرسالة كانت تحمل في طياتها إشارة إلى أمر سيغير كل شيء. على الجانب الآخر من الغرفة، كانت فيوليت واقفة بجانب الرفوف الخشبية، تعيد ترتيب بعض الكتب بعناية. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تسأل بصوت هادئ: "هل يحتاج الأطفال إلى أي شيء للمدرسة غدًا؟" التفت إليها بولطا ببطء، وكأن السؤال أيقظه من أفكاره: "أعتقد أن كل شيء جاهز، لكن لا بأس من مراجعة حقائبهم مجددًا." في تلك اللحظة، ركضت سافانا إلى الغرفة بحماس طفولي، حاملة دفتر رسوماتها بين يديها الصغيرة، وقفت أمام والديها وهي تلوح بإحدى الصفحات قائلة: "انظرا! رسمت شجرة ضخمة مثل التي في الحديقة!" انحنى بولطا نحوها بابتسامة، مدققًا في الرسم، ثم هز رأسه بإعجاب: "رائع! تبدو حقيقية تمامًا!" ضحكت سافانا بسعادة وجلست بجوار والدتها، بينما كان يورغان جالسًا على الأريكة غارقًا في لعبته الإلكترونية، بالكاد مدركًا لما يدور حوله. كان الجو هادئًا، لا شيء يوحي بأن هذه الليلة ستكون مختلفة عن سابقاتها، إلى أن دوّى صوت طرق على الباب. كان الطرق ثقيلًا بعض الشيء، ليس عنيفًا لكنه يحمل في نبرته إلحاحًا غريبًا. رفع بولطا حاجبيه متعجبًا، ثم نهض متجهًا نحو الباب بخطوات هادئة. أدار المقبض ببطء، وحين فتح الباب، وقف أمامه دالباي. كان دالباي رجلاً في منتصف الأربعينات، وجهه عادة يحمل ابتسامة خفيفة، لكن هذه المرة كانت ملامحه متوترة. عينيه تتحركان بسرعة وكأنه يتأكد من عدم وجود أحد يراقبه، وجبينه مغطى بطبقة رقيقة من العرق رغم برودة الجو. "دالباي؟" قال بولطا بصوت خافت، مستشعرًا أن هناك أمرًا غير طبيعي. أومأ دالباي له برأسه سريعًا قبل أن يرد بصوت منخفض: "علينا التحدث… وحدنا." دون تردد، فتح له بولطا المجال للدخول وأغلق الباب خلفه. قاده إلى غرفته بعيدًا عن مرأى الأطفال، حيث جلس دالباي على الكرسي المقابل للمدفأة، لكنه لم يسترخِ، بل ظل جالسًا في وضع متشنج، وكأنه يحمل حملًا ثقيلًا على كتفيه. صمت للحظة، وكأنه يجمع شتات أفكاره، ثم قال أخيرًا: "بولطا… هناك شيء سيئ يحدث في حي أكسرا." ارتسمت علامات الدهشة على وجه بولطا: "حي أكسرا؟ ماذا تقصد؟" أخذ دالباي نفسًا عميقًا، نظر حوله وكأنه يتأكد مجددًا من عدم وجود أحد يسمع، ثم انحنى قليلاً نحو بولطا وقال بصوت خافت لكنه مثقل بالقلق: "الناس هناك بدأوا يتغيرون، ليس الأمر مجرد إنفلونزا أو عدوى عادية. إنها… شيء آخر، شيء لم نرَه من قبل." قطب بولطا حاجبيه، نبرة صوت دالباي جعلت القلق يتسلل إلى داخله دون أن يدرك: "ما الذي تحاول قوله بالضبط؟" نظر دالباي مباشرة في عينيه وقال بوضوح: "من يُصابون… يفقدون عقولهم. ليس فقط يصبحون عنيفين، بل وكأنهم يتحولون إلى شيء آخر. عيونهم تتغير، أجسادهم تصبح غريبة… لم نرَ شيئًا كهذا من قبل." حاول بولطا استيعاب ما يسمعه، لكن عقله رفض الفكرة. هز رأسه قائلاً: "هذا جنون، ربما مجرد هلوسات بسبب الذعر. هل تحدثت الشرطة عن الأمر؟" هز دالباي رأسه ببطء، وجهه كان شاحبًا تقريبًا: "الشرطة؟ لا أحد يتحدث عن هذا. كل من يحاول التبليغ يختفي بعدها بأيام قليلة. وكأن هناك من لا يريد أن يُكشف هذا الأمر. أخبرتك لأنني أثق بك، لكن حتى أنت… لا يمكنك الحديث عن هذا لأي شخص." شعر بولطا بقشعريرة تسري في جسده، شيء في نبرة دالباي جعله يدرك أن الأمر ليس مجرد إشاعة. لكنه لم يكن مستعدًا لقبول الحقيقة بعد. في الجانب الآخر، في كابادوكيا، كان هارولد قد انتهى من ترتيب أغراضه بعد يوم طويل من التكيف مع حياته الجديدة. شعر بإرهاق شديد، فتوجه إلى سريره وأطفأ الأنوار، مستلقيًا تحت البطانية، محاولًا الاسترخاء. لكن قبل أن يغلق عينيه، تسلل إلى أذنيه صوت غريب. كان يأتي من الشارع… لم يكن صوت سيارات أو خطوات عادية، بل شيء آخر، كأن هناك حركة غير طبيعية تحدث في الخارج. جلس في سريره، مشدود الأعصاب. انتظر للحظة، محاولًا تجاهل الأمر، لكن الصوت لم يتوقف، بل بدا وكأنه يقترب. نهض ببطء، متوجهًا إلى النافذة بحذر. أمسك بحافتها، وفتحها قليلًا، ليطل بنظره إلى الشارع في الأسفل. وفي اللحظة التي رأى فيها ما كان يحدث، تجمد في مكانه. عيناه اتسعتا في ذهول، وشعره وقف من شدة الرعب. هناك، في الشارع المظلم، رأى شيئًا لم يكن يجب أن يراه. مشهد لم يكن ينتمي إلى الواقع. أخذ خطوة للخلف، يده ترتجف وهو يمسك بإطار النافذة، قلبه ينبض بقوة حتى كاد يسمعه في أذنيه. أغلق النافذة بسرعة، وكأن ذلك قد يحميه مما رأى، ثم استدار واتكأ على الحائط، محاولًا استيعاب الأمر. لم يكن هذا ممكنًا… لم يكن من المفترض أن يحدث هذا. لكن ما رآه في الخارج لم يكن وهماً. كان حقيقة. والليلة… كانت مجرد بداية.