دائرة لا تنتهي
بقيتُ واقفة في مكاني، أحدّق في الفراغ الذي اختفى فيه ذلك الرجل. كلماته ما زالت تتردد في رأسي، كأنها صدى لا ينتهي: "لأن النهاية اقتربت."
لكن أي نهاية يقصد؟ ومن يكون حقًا؟ ولماذا بدا وكأنه يعرف عني كل شيء؟
شعرتُ أن أنفاسي بدأت تضطرب. المكان كله بدا وكأنه يضيق حولي، والجدران المتهالكة أصبحت أقرب مما يجب. كان هذا المنزل يومًا ما عالمي بأكمله، لكنه الآن مجرد أنقاض تحمل لعنة الماضي.
تحركتُ ببطء، أستكشف الغرفة كما لو كنت أراها لأول مرة. مررتُ بأطراف أصابعي على الجدار المتشقق، حيث كانت توجد صور العائلة قديمًا. لا أثر لها الآن. لم يبقَ سوى الجدران المتفحمة، بقايا الذكريات، وروائح الرماد.
تقدمتُ نحو الزاوية التي كنت أجلس فيها دائمًا عندما كنت صغيرة، المكان الذي كنت ألعب فيه... المكان الذي أشعلتُ فيه الشرارة الأولى.
لم أكن بحاجة لأحد ليذكرني، فأنا لم أنسَ أبدًا.
ركعتُ ببطء على الأرض، ومررتُ يدي على الخشب المحترق، حيث بدأ كل شيء. كنتُ طفلة حينها، لا أفهم العواقب، لا أفكر بما قد يحدث. مجرد لعبة بالنار انتهت بكارثة.
لقد حاولت الهروب من هذه الذكرى لسنوات، حاولت أن أخلق لنفسي حياة جديدة، أن أثبت للجميع أنني لستُ مجرد قاتلة. لكن في النهاية، ها أنا هنا، أعود إلى المكان الذي كان يجب أن أُدفن فيه منذ زمن.
هل كنتُ أهرب فعلًا؟ أم أنني كنت أعود إلى هذا المكان طوال الوقت دون أن أدرك؟
نهضتُ من مكاني وأخذتُ نفسًا عميقًا، لكن الهواء كان محملًا برائحة الرماد والذكريات. كنت أظن أنني أصبحت قوية، أنني تجاوزت الماضي، لكن الحقيقة كانت واضحة أمامي الآن: الماضي لم يتركني أبدًا، بل كان يلاحقني بصمت، في كل خطوة، في كل نجاح، في كل لحظة حاولتُ أن أكون شخصًا جديدًا.
وها أنا الآن، عدت إلى نقطة البداية.
لكن ماذا يعني هذا؟ هل تعني هذه العودة أنني فشلت؟ أن كل ما بنيته لم يكن سوى محاولة يائسة للهروب من شيء لا يمكن الهروب منه؟
لا... لا أريد أن أصدق ذلك.
لكن كلمات الرجل الغامض كانت تتردد في ذهني بلا توقف.
"سنلتقي قريبًا، في المكان الذي بدأ فيه كل شيء."
شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي. لم أكن وحدي في هذا المكان. لم يكن هذا اللقاء مجرد صدفة.
هناك شيء أكبر يحدث. شيء لا أفهمه بعد.
لكنني كنتُ أعلم شيئًا واحدًا فقط...
النهاية لم تأتِ بعد، لكنها تقترب.