بين جدران الذكرى
دفعت الباب الخشبي الصدئ ببطء، فأصدر صريرًا طويلًا كأنه يئن تحت وطأة الزمن. كان المنزل مظلمًا، إلا من بعض أشعة الشمس الخافتة التي تسللت من النوافذ المكسورة، ترسم خطوطًا باهتة على الجدران المغبرة.
خطوت إلى الداخل، فأصدر الخشب المهترئ تحت قدمي صوتًا خافتًا، وكأن المكان كله يهمس لي، يعيد إليّ همسات الماضي المدفون هنا. أخذت نفسًا عميقًا، فامتلأت رئتاي برائحة الرماد والرطوبة، رائحة الموت الذي لم يفارق هذا المكان.
الممر الأول – كنت أجري هنا ذات يوم، صغيرة، لا أحمل أي هم سوى اللعب. أتذكر كيف كانت أمي تناديني من المطبخ، تطلب مني التوقف عن الركض حتى لا أسقط. لكنني كنت أعشق الجري، كنت أركض في هذا الممر كأنني أطير، بلا خوف، بلا قيود. والآن؟ الآن أنا بالكاد أستطيع تحريك قدمي، كأن الأرض ترفضني، كأنني دخيلة على هذا المكان.
المطبخ – دخلت إلى حيث كانت أمي تقضي معظم وقتها. بقيت بعض الأواني القديمة على الطاولة، مغطاة بطبقة من الغبار، وكأن الزمن تجمد هنا منذ تلك الليلة. لمست سطح الطاولة بيدي، فانسابت الصور في رأسي كالنهر. كنت أجلس هنا، أراقبها وهي تعد الطعام، كانت تبتسم دائمًا، حتى عندما كانت متعبة. تذكرت رائحة الخبز الطازج، صوت تقطيع الخضار، صوتها وهي تغني بهدوء. لكن في تلك الليلة... لم يكن هناك سوى صوت الصراخ، والنار، والانفجارات.
غرفة المعيشة – هنا كان أبي يجلس كل مساء، يقرأ الجريدة أو يشاهد الأخبار. كنت أجلس بجانبه أحيانًا، أسأله أسئلة لا نهائية عن العالم، وكان يجيبني بصبر لا متناهٍ. نظرت إلى الأرضية المحروقة، إلى الجدران التي سودها الحريق. هنا سقط كل شيء، هنا انتهى عالمي.
غرفتي – عندما فتحت باب الغرفة، شعرت برعشة تسري في جسدي. لم يتبقَ شيء تقريبًا، سوى بعض الأثاث المحطم، وبقايا ذكريات متناثرة. تقدمت ببطء، عيني تتفحص كل زاوية. هناك، عند الجدار، كانت رسوم طفولتي لا تزال واضحة، رغم آثار الدخان الذي غطاها. تذكرت كيف كنت أجلس هنا، أرسم أحلامي، أكتب عن المستقبل الذي كنت أظنه مشرقًا. كم كنت غبية...
جلست على الأرض، ظهري مستند إلى الحائط، عيني محدقتان في السقف المظلم. شعرت أنني أعود طفلة للحظة، لكن الفرق أنني الآن وحدي، بلا أمان، بلا أحلام.
مررت أصابعي على الأرض، ثم أغلقت عيني، وبدأت أسمع الأصوات مجددًا...
"مريم! ابتعدي!"
شهقت، فتحت عيني بسرعة. كان الصوت واضحًا، كأن الماضي ينبض في هذا المكان، يرفض أن يُدفن. وضعت يدي على رأسي، محاوِلة إبعاد الأصوات، لكن لا فائدة. كنت أسمع كل شيء، وكأنني عدت إلى تلك الليلة من جديد.
"أمي... أبي..."
همست بأسمائهما، لكن لم يكن هناك سوى الصمت.
نهضت بصعوبة، شعرت وكأن هذا المكان يمتص روحي، يسحبني إليه. نظرت إلى الباب، رغبت في الفرار، لكن قدماي لم تتحركا. كنت أعرف أنني لن أغادر بهذه السهولة. كنت أعرف أن هذا المكان سيبتلعني مرة أخرى، كما فعل منذ سنوات.
لكنني لم أكن أعلم... أنني لن أخرج منه أبدًا.