مواجهة الظلال
لم يكن الوقوف أمام دار الأيتام مجرد لحظة عابرة، بل كان اختبارًا لما تبقى من شجاعتي. كانت الجدران التي عشت خلفها تلوح لي، تذكرني بكل ليلة قضيتها أبكي تحت الأغطية، بكل نظرة احتقار تلقيتها، بكل صرخة سمعتها تتهمني بذنب لم أنكره أبدًا.
لكنني كنت هناك الآن، كشخص مختلف، كشخص قاتلته الحياة ولم تترك له خيارًا سوى النجاة.
---
خطوتُ إلى الداخل، فملأت أنفي رائحة المكان التي لم تتغير: رائحة الجدران القديمة، والأرضية الخشبية التي تعلوها طبقة من الغبار، والمزيج الغريب بين الطعام الرخيص والكتب القديمة.
عند المدخل، وقفت المديرة التي لم تتغير كثيرًا، لكنها عندما رأتني، تجمدت عيناها للحظة قبل أن تستعيد هدوءها.
"لم أتوقع رؤيتكِ هنا، مريم." قالت بصوت هادئ، لكنه لم يكن خاليًا من الحذر.
أجبتها بصوت ثابت: "لم أتوقع ذلك أيضًا."
نظرت إليّ مطولًا، كما لو أنها تحاول قراءة ملامحي، ثم أفسحت لي الطريق دون كلمة أخرى.
---
سرتُ في الممرات التي كنت أركض فيها يومًا ما، حيث كنت أهرب من الأطفال الذين كانوا يلقون عليّ الشتائم، حيث كنت أختبئ لأبكي، حيث كنت أتمنى لو أنني لم أولد أبدًا.
ثم وصلت إلى الساحة الخلفية، حيث وقعت أسوأ ذكرياتي.
هنا، في هذا المكان بالضبط، كانت تلك الفتاة الصغيرة ذات الضفائر السوداء تنظر إليّ بخوف قبل أن تهمس: "أنتِ قاتلة."
لا أنسى كيف تحولت تلك الكلمة إلى لعنة، كيف أصبحتُ منبوذة، كيف كنتُ أسمعها تتردد في كل مكان، حتى من الأطفال الذين لم يعرفوا حتى معنى الموت.
أغمضتُ عيني للحظة، ثم فتحتها وأنا أتنفس بعمق. لم أعد تلك الطفلة الخائفة، لم أعد ضعيفة كما كنت.
لكن السؤال الحقيقي كان: هل يمكنني المضي قدمًا حقًا؟
هل يمكنني ترك الماضي خلفي دون أن يلتهمني؟