بين الظلال والضوء
مرت الأيام، ووجدت نفسي أعود إلى المكتبة مرة بعد مرة. لم يكن المكان مجرد متجر للكتب، بل أصبح مهربًا من العالم الخارجي، من نظرات الناس وكلماتهم القاسية. كنت أجلس في الزاوية البعيدة، أقرأ بصمت، وأحيانًا أراقب سامر وهو ينظم الرفوف أو يتحدث مع الزبائن. كان مختلفًا عنهم، لم يكن ينظر إليّ كما يفعل الآخرون.
شظايا من الماضي
لكن حتى مع هذا الهدوء المؤقت، لم يكن الماضي بعيدًا عني. في أحد الأيام، بينما كنت أجلس على الطاولة وأقلّب صفحات أحد الكتب، دخلت فتاة لم أرها منذ سنوات. توقفت عينيها عليّ، واتسعت نظراتها في صدمة، قبل أن تتغير إلى ازدراء واضح.
"أنتِ..." قالت بصوت منخفض لكنه كان مليئًا بالاشمئزاز.
عرفتها على الفور. كانت ليلى، إحدى بنات الجيران الذين شهدوا الحريق. كانت من أوائل من أطلقوا عليّ لقب "القاتلة".
"ما زلتِ تتجولين بحرية، وكأنك لم تفعلي شيئًا؟" تابعت بصوت مرتفع هذه المرة، ما جعل بعض الزبائن يلتفتون نحونا.
شعرت بالحرارة تزحف إلى وجهي، وتنفست بعمق، محاوِلة الحفاظ على هدوئي. لم أرد عليها، لكن قلبي كان ينبض بقوة.
سامر، الذي كان يراقب الموقف من بعيد، تقدم بهدوء ووضع يده على الطاولة بلطف. "هل هناك مشكلة؟"
نظرت إليه ليلى، ثم إليّ، قبل أن تضحك بسخرية. "لا شيء، فقط من المثير رؤية قاتلة تتظاهر بأنها فتاة طبيعية."
ثم استدارت وخرجت من المكتبة، تاركة خلفها صمتًا ثقيلًا.
يدٌ تمتد وسط العتمة
شعرت بصدري يضيق، ووضعت الكتاب جانبًا. كنت على وشك النهوض والمغادرة، لكن صوت سامر أوقفني.
"لا تدعيهم يحددون من تكونين." قال بهدوء.
رفعت عيني نحوه، ورأيت أنه لم يكن ينظر إليّ بشفقة، بل بتفهم. لم أقل شيئًا، فقط أخذت الكتاب وعدت للقراءة، لكن داخليًا، شعرت بشيء مختلف. ربما... ربما لم أكن وحدي تمامًا في هذه المعركة.