بين المطرقة والسندان
مرت أسابيع على عملي في المطعم، ومع كل يوم يمضي، كنت أشعر وكأنني أحاول تسلق جبل لا نهاية له. كنت أستيقظ فجرًا، أعمل لساعات طويلة، وأعود إلى الميتم منهكة. ورغم ذلك، لم يكن الجهد الجسدي هو الأصعب، بل العيون التي تلاحقني، والهمسات التي لم تتوقف يومًا.
نظرات لا ترحم
كلما مررت بجانب أحدهم، كنت أرى نظرة التوجس في عينيه. حتى الزبائن، عندما علموا من أكون، بدأ بعضهم يتجنبني. كانت هناك امرأة تأتي يوميًا لتناول الغداء، وعندما رأتني أقدم لها الطبق، تغير لون وجهها، وتركت الطعام كما هو وغادرت.
لم يكن أحد بحاجة ليقول شيئًا صريحًا، نظراتهم وحدها كانت كافية لتجعلني أشعر وكأنني لا أنتمي لهذا المكان، لهذا العالم.
الاختبار الحقيقي
ذات يوم، بينما كنت أرتب الصحون في المطبخ، سمعت صراخًا قادمًا من الخارج.
"حرام أن تعمل قاتلة بيننا!"
تجمدت يداي، وعرفت فورًا أن المتحدث هو أحد الطهاة، "سالم". كان من أكثر من يكرهون وجودي هنا، لكنه لم يكن قد تحداني علنًا من قبل.
خرجت إلى القاعة، فوجدته واقفًا، يلوح بيديه ويتحدث بصوت مرتفع للعاملين والزبائن:
"كيف يمكنكم الوثوق بها؟ ألا تخافون أن تكرر فعلتها هنا؟"
شعرت بجسدي يتصلب، لكنني لم أسمح لنفسي بالضعف.
"أنا هنا للعمل، وليس لإرضائك." قلتها بصوت ثابت، لكنني رأيت الغضب في عينيه.
"العمل؟ تعتقدين أن أي شيء تفعلينه سيغسل دماء والديكِ عن يديكِ؟"
كانت كلماته مثل ضربة خنجر في صدري، لكنها لم تكن جديدة عليّ. سمعتها مئات المرات، من أشخاص مختلفين، في أماكن مختلفة.
لكن هذه المرة، لم أكن مستعدة للسكوت.
"هل تعرف ما حدث؟ هل كنت هناك؟" نظرت إليه مباشرة، وكأنني أتحداه.
تردد للحظة، لكنه قال: "الجميع يعرف."
"لا، أنت تعرف القصة التي أراد الناس تصديقها، لأنهم بحاجة إلى شخص يكرهوه. ووجدوا ذلك الشخص فيّ."
ساد الصمت للحظة. لم يكن أحد معتادًا على سماعي أواجه الأمور بهذه الطريقة. كنت دائمًا الفتاة التي تصمت، التي تتلقى اللوم بصمت. لكنني تعبت من ذلك.
استدار سالم غاضبًا وعاد إلى المطبخ، لكنني كنت أعلم أن هذه لم تكن نهاية الحرب بيني وبينه.
في ذلك اليوم، عندما غادرت المطعم وعدت إلى الميتم، وقفت أمام المرآة وحدقت في نفسي طويلًا.
ربما كنت في نظرهم قاتلة، لكنني لن أعيش وفقًا لهذا اللقب. ليس بعد الآن.