اللعنة
عندما فتحت عيني، كان السقف الأبيض البارد فوقي، ورائحة الأدوية والمطهرات تملأ أنفي. الضوء الخافت المنبعث من المصباح العلوي كان مزعجًا لعيني، لكن الألم الحقيقي لم يكن في جسدي... بل في داخلي.
في البداية، لم أفهم أين أنا، لكن سرعان ما عادت الذكريات، كأنها موجة من الجحيم اجتاحتني. أمي... أبي... النار... الدخان... الصراخ... ثم الفراغ.
حاولت الجلوس، لكن صوتًا قطع أفكاري.
"لقد استيقظت."
التفتُ ببطء، فرأيت امرأة في منتصف العمر تنظر إليّ بحذر، مزيج من الشفقة والريبة في عينيها. لم أتعرف عليها، لكن تعابير وجهها كانت مألوفة... التعابير التي يواجه بها الناس الكوارث.
"أين...؟" لم أكمل سؤالي، لكن المرأة فهمت.
"أنتِ في المستشفى، لقد وجدناكِ بين الأنقاض... وحدكِ."
وحدي.
الكلمة وحدها كانت كافية لتجعلني أشعر بأنني سقطت في حفرة لا قاع لها.
بعد أيام قليلة، عندما خرجت من المستشفى، كنت أظن أن الألم سيخف. لكن الحقيقة كانت أقسى بكثير.
لم يكن هناك من ينتظرني. لم يكن هناك منزل أعود إليه. كنت مجرد فتاة، بلا أهل، بلا مأوى، بلا حياة.
الذهاب إلى الميتم
أخذوني إلى مكان يسمونه "دار الرعاية"، لكنه لم يكن سوى سجن آخر. كان الأطفال هناك يتحدثون عني، يتهامسون حين أمرّ، وأحيانًا يبتعدون عني كما لو أنني مرض معدٍ.
"إنها القاتلة..."
"هي السبب في موت والديها..."
"كيف لها أن تعيش بعد ذلك؟"
المربيات كنّ يعاملنني ببرود، كأنني عار على المكان. لم يكن أحد يقترب مني، ولم يكن لدي أحد لأبكي له. كنت وحيدة تمامًا، رغم أنني كنت محاطة بالكثير من الناس.
في البداية، كنت أبكي كل ليلة، أكره نفسي، أتمنى لو أنني متّ معهم. لكنني سرعان ما أدركت أن البكاء لن يغير شيئًا.
إذا أردت النجاة، فعليّ أن أحارب.
محاولة النجاة
حاولت التأقلم مع الحياة الجديدة، لكن الأمر لم يكن سهلًا. الطعام كان سيئًا، القوانين كانت صارمة، والمربيات لم يكنّ يهتمن بنا إلا بقدر الضرورة. أما الأطفال الآخرون... فقد كانوا أكثر قسوة من أي شخص آخر.
"كيف يمكنك النوم وأنتِ قاتلة؟"
"هل ستقتليننا كما قتلتِ والديكِ؟"
"لا أحد يريدك هنا."
كلماتهم كانت كالسكاكين، تطعنني كل يوم.
لكنني لم أكن قاتلة.
كنت فقط فتاة... تحاول النجاة.
كنت أحاول أن أكون قوية، أن أتجاهلهم، أن أجد لنفسي طريقًا وسط كل هذا. لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة.
كلما حاولت الاقتراب من أحد، كنت أجد الخوف في عينيه. كلما حاولت الابتسام، كنت أرى الاستغراب في وجوههم. كنت كالشبح بينهم، موجودة لكن غير مرئية، يتحدثون عني لكن لا يتحدثون معي.
"عليكِ أن تكوني أقوى، مريم." كنت أردد هذه الكلمات لنفسي كل ليلة.
كنت أعلم أن الحياة لن تكون سهلة، وأن العالم لن يرحمني. لكنني كنت مصممة على ألا أكون مجرد ذكرى حزينة، مجرد فتاة تحمل لعنة الماضي.
إذا كان العالم يرى أنني قاتلة، فسأثبت لهم أنني شيء آخر.
كنت سأحارب... حتى النهاية.