يوم قبل الحادثة
كنت أركض في الحديقة، أطير كالفراشة بين الأشجار، وأصغي لصوت الرياح التي تداعب أوراق الشجر. الهواء كان منعشًا، ورائحة العشب المبلل تعبق في المكان. كنت أعيش في عالم مليء بالبراءة والفرح، حيث لا شيء يعيقني، كل شيء كان يبدو بسيطًا وجميلًا.
المنزل الذي أعيش فيه صغير، لكنه يحمل في زواياه الأمان. أمي، فاطمة، كانت تجلس في الشرفة تراقبني بعينيها الدافئتين، تبتسم لي كلما التقت نظراتنا. أبي، يوسف، كان يعود من العمل محملاً بالصناديق الصغيرة التي تثير فضولي دائمًا. كانت حياتي بسيطة، مليئة بالحب والضحكات. لم أكن أعلم أن هذا اليوم سيكون نقطة تحول.
"مريم، حبيبتي، هل تساعدينني في ترتيب الحديقة؟"
التفتُ إلى أمي، كانت ترفع شعرها إلى الخلف وهي تمسح العرق عن جبينها. كعادتي، تظاهرت بأنني لم أسمع، وركضت نحو الأرجوحة، أضحك في داخلي. كنت أعلم أن أمي ستتذمر قليلًا، لكنها ستسامحني في النهاية.
حين دخل أبي من بوابة الحديقة، كان يحمل صندوقًا صغيرًا، عيناي اتسعتا بفضول. مشيت نحوه متسائلة، لكنه ابتسم وقال: "جلبت هذه الأدوات للتخييم، سنحتاجها عندما نذهب في العطلة."
التخييم! لطالما أحببت هذه الفكرة. تخيلت نفسي أجلس بجوار النار، أروي القصص مع عائلتي تحت السماء المليئة بالنجوم. لكن الفضول لم يتركني. ما الذي يوجد داخل الصندوق؟ ولماذا بدا ثقيلًا؟
حين دخل والداي إلى المنزل، تركاني وحدي مع الصندوق. قلبي بدأ ينبض بسرعة. اقتربت منه ببطء، كأنني أخشى أن ينكشف أمري. فتحت الغطاء بحذر، وعيناي تجولان بين الأشياء الغريبة في داخله. كان هناك حبال، وأدوات معدنية، و… علبة صغيرة تحتوي على أعواد ثقاب.
ترددت. كنت قد رأيت شيئًا كهذا من قبل، في التلفاز، حيث يشعل الناس النار بسهولة. أمسكت بعود ثقاب، ومررته بين أصابعي، شعرت بخشونته. ثم، ببطء، سحبته وأشعلته.
لهب صغير انبعث، واهتز أمامي كراقصة في مهب الريح. شعرت بحرارته تداعب أصابعي، وتأملت كيف يتراقص الضوء البرتقالي في عينيّ. كان الأمر ساحرًا.
"ماذا لو… جربت شيئًا آخر؟"
وضعت العود على عود آخر، ثم على قطعة صغيرة من الورق. بدأ اللهب يتسع. شعرت بنبضات قلبي تتسارع، كانت تجربة مثيرة، لكن في داخلي، كان هناك صوت صغير يحذرني.
فجأة، سمعت صوت خطوات. أمي وأبي يقتربان! ارتبكت، حاولت إطفاء النار، لكن…
النار انتشرت أسرع مما توقعت. الورقة اشتعلت، ثم أطراف الصندوق، والدخان بدأ يتصاعد. حرارة مفاجئة لامست وجهي، تراجعت مذعورة.
ثم…
انفجرت الأمور بسرعة، وتحول كل شيء إلى فوضى.