اباء وابنائهم - اليتيمان - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اباء وابنائهم
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: اليتيمان

اليتيمان

قصص اباء يعذبون ابنائهم يتبع دعت الابنة على أبيها فقال : آمين... آمين !! " دعت الابنة على أبيها فقال : آمين... آمين !! " كان ممن تأثرت أخلاقهم وأفكارهم بالنظرة المادية... فأصبح المال محبوبه الأول... وأعمت المادة بصيرته، فلم يعد يبصر إلا من خلال ثقوبها الضيقة... وأصبح المال ميزانه الذي يزن به الأمور... وكانت له ابنة بلغت مبلغ الزواج... وأخذ الخطاب على اختلاف مراتبهم يدقون أبوابه راغبين في الزواج من ابنته , ولكنه كان يردهم بحجج واهية، ظاهرها المصلحة وباطنها المادة... مع أن من هؤلاء الخطاب أصحابُ دين وخلق... ممن أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بهم... ولكن كان لسان حاله يقول : أين الذي يدفع أكثر... والمنافع والمصالح من ورائه أكبر؟ ومرت الأيام... وظل على أحلامه المادية... ومرت الأعوام... وترك قطار الزمن ابنته في محطة العنوسة... وغادر الخطاب بابه... واتجهوا لغيره ممن لديهم بقية دين وخلق... ممن يرفضون بيع بناتهم كالنعاج في الحراج. وذبُل شباب ابنته.... وانطفأت نضارتها... وجف عودها ومع الأيام دب السقم في جوانحها... وأصيبت بداء عضال أضنى الأطباء شفاؤه.... ونقلت إلى المستشفى... وحانت لحظاتها الأخيرة... وأُخبر والدها بالأمر... فأفاق من عالمه المادي، وأتى مسرعًا ليرى ابنته في ثوب المرض بعد أن حرمها منذ زمن من ثوب الزفاف،نظر إليها مشفقًا عليها... نظرت إليه بعينين قد اغرورقت بالدمع، وأخذت تتمتم وتحرك شفتيها... دنا منها ليسمع ما تريد البوح به في لحظتها الأخيرة... فوجدها تطلب منه أن يقول آمين... فقال: آمين... ثم تمتمت مرة أخرى، وطلبت منه أن يقول آمين... فقال: آمين... ثم فعلت ذلك مرة ثالثة، وطلبت منه أن يقول آمين... فقالها . وبعد فترة من الصمت المشحون بالأسى... سألها برفق عن الدعاء الذي طلبت منه أن يؤمن عليه... فانحدرت دموعها الأخيرة... وأجابت بعد صمت بصوت واهن مليء بالأسى... لقد دعوت الله أن يحرمك الجنة كما حرمتني من الزواج . وطوى القبر في باطنه مأساة دامية وبقي المجرم الذي أعمى الجشع بصيرته... بقي يندب نفسه وابنته... ويعض أصابع الندم... ولات ساعة مندم... هذه مأساة سمعنا بها وعرفناها، فيا ترى كم من المآسي من هذا النوع تمت في صمت، ولم نسمع بها... ما دام الناس في إعراض عن الحياة وفقه الشريعة وآدابها... فلا شك أن هناك الكثير من هذا النوع... وما خفي كان أعظم ( النور، العدد (99) ، نقلاً عن: كشكول الأسرة ص : 34، 35) . عودة ... ولكن " عودة ... ولكن " الدموع لغة الكل يفهمها، وهي أصدق تعبير عن المشاعر، ولكن الذي يلفت النظر حينما تمتزج دموع الفرحة بالنجاة بدموع الحزن والحسرة على أيام لن تعود، ووقت ضاع في لهو بعيد عن الله، فالدين الإسلامي هو قوام الحياة، وهو الذي خلص البشرية من عنائها الطويل، وهمها الأبدي، حررها من قيود العبودية والذل في عبادة غير الله إلى عبادة رب العالمين ، فأصبحنا مسلمين بالفطرة منذ ولادتنا . ولكن هذه الحكاية تتسم بالغرابة في طريقتها ومضمونها، فهل فكرنا أنه سوف يجيء من أولادنا من يكفر بملتنا، ويخرج من ديننا؟ هل دار بخلدك أيها الأب أنك قد تمسي أو تصبح فتجد أحد أبنائك أصبح كافرًا مرتدًا عن الدين؟ إنه أمر شديد الخطورة شديد الألم. رأيتها وهي تدخل مصلى المدرسة دخول الخائفين، ظهر عليها التوتر، وكأني بها لأول مرة تستمع للقرآن الكريم، تكلمت المحاضرة في المصلى فأجهشت بالبكاء، واستغربت المعلمة هذا الوضع، فأرادت أن تعرف أصل الحكاية؛ فكان السؤال: ما لي أراك قلقة ومتوترة، وتبدو عليك علامات الحزن الشديد؟ فأجابت: أتعرفين بأنني الآن يا معلمتي والآن فقط أسلمت ودخلت الدين الإسلامي! سادت الدهشة المكان، وبان عدم التصديق على مُحَيَّا المعلمة، فخرجت ابتسامة باهتة باردة كبرودة الجو الذي تقفان فيه، ثم قالت المعلمة: قولي الآن اهتديت وقررت ترك المعصية والعودة إلى الله، ولا تقولي أسلمت، فكلنا مسلمون يا صغيرتي، وأنت ابنة عائلة معروفة، ولا ينبغي لك أن تتفوهي بهذا الكلام. فقالت: أعرف أنك قد لا تصدقينني لعظم ما أقوله، ولكنها الحقيقة. قالت: كيف؟ فردت: حينما تُرك أمر تربيتنا للخدم والمربيات والسائقين، وعندما كانت فطرتنا سليمة لم تزرع فينا الأم بذور الإيمان، وعندما كان للثراء دور وللإهمال أثر في حياتنا؛ انحرفت عقيدتنا، فالأم مشغولة بكل شيء إلا بنا. اعتقدت أن الخادمة والمربية والسائق والمدرسة يغنون عن وجودها؛ فتربيت دون أن أسمع كلمة حق، ولم أوجَّه أي توجيه! وكما تعرفين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه...»(رواه البخاري ومسلم) الحديث , وقد تحقق هذا الحديث، فأنا ولدت على الفطرة، ولكن أخذت المربية تعلمني دينها، وتبعدني عن الدين الإسلامي، وأخذت المدرسة الأجنبية تغرس في نفسي الولاء والحب للغرب، وتثير فيّ الأحقاد على الإسلام، وأنه دين التخلف، وتشوه الدين في نظري باستمرار . سألتها المعلمة : ولماذا لم تستفسري، أو تشُكَّي في صحة ما تقول؟ فأجابت: لقد كنت صغيرة، وليس لدى أمي استعداد للإجابة عن أسئلتي! وكنت أتساءل فلم أجد من يجيبني فصدقتها ووثقت بها. وتواصل المسكينة: لقد كبرت وأنا أعيش في غفلة من الأم وإهمال من الأب، وعدم رقابة من الأهل، سنوات طويلة مرت لم تأمرني أمي فيها بالصلاة، ولم توقظني لصلاة الفجر، هل تصدقين أنها لا تعرف هل أصوم رمضان أم لا؛ للفجوة الكبيرة التي بيننا؟ لقد كانت غفلة استمرت طويلاً خسرت سنوات عمر عظيمة، وفي المدرسة الثانوية أخذت الطالبات يلاحظن علي بعض التصرفات، وتشككت الزميلات في أمري، فأنا لا أؤدي الصلاة معهن، ولا استمع للمحاضرات، ولا أقرأ النشرات، ولا أذهب للمصلى!! فما كان من زميلاتي إلا أن قمن بنقل هذا الأمر لإحدى المعلمات الداعيات التي أحست بأمانة التعليم وعظم شأن الدعوة إلى الله، فتحرت عني حتى عرفت مشكلتي وأبعادها وبُعدي العظيم عن الله، وعتمة الضلالة التي أعيش بها، فأخذتني باللين وتوضيح الأمور، وظلت تسير معي خطوة بخطوة حتى وصلت إلى بر الأمان، أخذتني للمحاضرات داخل المدرسة وخارجها، فيسّر الله أمري، وشرح صدري، وأعلنتها توبة صادقة، وعودة إلى الله تعالى على يد هذه المربية الفاضلة. وبقيت الآن يا معلمتي أذرف دموع الندم والحسرة على ما مضى من عمري في الضياع . وتقول : لم أسجد لله طوال هذه السنوات الماضية، وأنا الآن عمري 17 سنة، ضاع عمري، وذهب شبابي، وأنا بعيدة عن الله، انجرفت وراء اعتقادات واهمة وأفكار منحلة، ولم تعلم أمي عن إسلامي؛ لأنها لا تعرف أصلاً بأني خرجت منه حتى أعود إليه!! . وقفة: يظل بعض التائبين أسيرًا تحت وطأة الحسرة والندم، ويقضي ما بقي من عمره في البكاء المفرط، وتقطع قلبه الحسرة، ونسوا قوله تعالى: " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " [الزمر: 53]. وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها»(رواه مسلم).( مأساة طالبة ص : 58-61) . لقد ضيعتني يا أبي!! " لقد ضيعتني يا أبي!! " سعادة ترفرف حولي... كل شيء أراه جميلاً... على الرغم أن حالتنا المادية كانت متوسطة، بل أشياء كثيرة كنت أفتقدها، ولا أستطيع الحصول عليها، ولكن القناعة تبدد كل الآمال الواسعة والأماني العريضة، كنت أهنأ بكل شيء عندي... وأحمد الله على نعمه العظيمة... ويكفي سعادة وهناء أن يعيش الإنسان في كنف أبوين وأنعم بها من نعمة... أبوين يغدقان عليه من فيض حنانهما وعطفهما... ويزداد الإنسان سعادة وراحة إذا كان متمسكًا بشرع الله، يرفل في الخير، وينعم بالإيمان، إنها الحياة الطيبة... هكذا كنت بفضل الله ومنته... ولكن والدي لم يكن تعجبه هذه الحياة؛ فقد كنت ألمس منه الكآبة الدائمة... والحزن المستمر... والتفكير الطويل... دائمًا يتأفف من حياتنا... كان يتمنى أن يكون من رجالات الأعمال المرموقين... يريد أن يكون كفلان صاحب الشركة... أو علان رئيس المؤسسة، وعلى الرغم من قناعة أمي، فكم نصحته ووجهته. لقد كانت كثيرًا ما تردد يا أبا فلان نحن في نعمة وخير والحمد لله، يكفي الستر والعافية، فكان يتضجر من كلامها... كانت تذكره بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أخوف ما أخاف عليكم أن تبسط عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم»(رواه البخاري ومسلم) فيتأفف من قناعتها... ويقول لها دائمًا: ستعيشين طوال حياتك هكذا تحبين الفقر... لم يقف أبي عند هذا الحد، فقد أخذ يجمع الأموال من هنا وهناك إلى أن تجمعت في يديه ثروة هائلة... وفي الوقت الذي كان يبخل فيه على أسرته بملبس أو طعام من باب الاقتصاد، كان يبعثر الأموال الطائلة على زملاء العمل، وأصحاب رؤوس الأموال، وذلك للمصالح المتبادلة كما يزعم، وكان لا يتم ذلك إلا في الفنادق، أو المطاعم الفاخرة، لأن منزلنا المتواضع ليس أهلاً لمثل هذه الشخصيات البارزة... لقد تغير أبي تمامًا، أصبحت الدنيا، والمؤسسات، والشركات، والعقارات أكبر همه... أصبح التفاخر والتعالي سمته... أصبحت المظاهر البراقة الزائفة جل اهتمامه... غفل أن هذه الحياة زائلة، وأن متاعها فانٍ... كم ذكرته بذلك... كم خوفته من الموت... ولكنه كان يعرض ولا يتعظ، تزوج بأخرى وبالطبع كانت قريبة لأحد الأثرياء... أسكنها في قصر فخم، وأثاث وثير، ولديها الخدم والحشم... بينما نحن لا نجد أحيانًا لقمة العيش فقد تركنا ورحل... ونسي أو تناسى أنه خلف وراءه زوجة مريضة... وأبناء يتضورون جوعًا... لقد ترك أمي التي صبرت عليه، وتحملته، وعاشت معه على القناعة والرضا والكفاف... تركها وهي تقاسي الآلام والأمراض، قائلاً لها: سأتركك مع الفقر الذي تحبين... تقطع قلب أمي أسى وحزنًا على هذا الإنسان الذي أعطته كل شيء، وبذلت من أجله الكثير لم يكلف نفسه أن ينفق على أهل بيته أو أبنائه، بل أصبحنا نستقبل الصدقات والإعانات من الناس... والناس يتهامسون هذه عائلة فلان الثري، ويشيرون إلينا: انظروا كيف حالهم!! استمر هذا الحال إلى أن تخرجت من المرحلة الثانوية... وذات يوم إذ بطارق على بابنا وكانت المفاجأة... عندما تصارخ إخوتي الصغار أبي... أبي، لم أصدق عيني وأنا أراه... إنه فعلاً هو... إنه أبي... ما الذي جاء به كان يحمل بين يديه الهدايا، واللعب، والحلوى، والملابس... قلت في نفسي لعل الله هداه، عمت السعادة قلبي، واستبشرت خيرًا... جلس معي ومع أمي، وأخذ يعتذر عن كل ما بدر منه، وأنه أحس بغلطته في حقنا... وأنه سيعوض تلك الأيام السالفة... إلخ ما قاله...ثم بعد ذلك لمحني وابتسم، وهو يقول: يا بنيتي ما شاء الله عليك كبرت وأصبحت عروسة جميلة متى أفرح بك فهمت أمي مغزاه فقامت من المجلس... استغل هو الفرصة فقال لي: اسمعي يا بنيتي ستودعين حياة الفقر والعوز والحاجة... هناك شاب ذو خلق ودين، ومن عائلة ثرية جدًا... بل إنه يملك العقارات، والشركات، سيلبي لك كل طلباتك... سترفلين في الخير والنعيم... لا أريد إلا موافقتك... دب في نفسي الحزن والغم على حال والدي... إنه لم يتبدل... لم يتغير فيه شيء... إنه هو كما تركنا، ما زال حب الدنيا يجري في عروقه. قلت له: ألهذا الأمر جئتنا؟!! قال: لا... لقد اشتقت إليكم وأنا يا ابنتي لا أريد إلا مصلحتك... صدقيني... إنها فرصة ثمينة لن تتكرر... لا تضيعيها عليك , قلت له بلهجة حازمة: مصلحتي هي أمي وإخوتي الصغار... كيف سيعيشون وأنت متخلي عنهم... حتى المصروف، والنفقة لا تعطيهم كيف سيكون حالهم؟ أخشى عليهم من الضياع هذا ما يشغل بالي ويملأ تفكيري... أما الزواج فإنني لا أفكر فيه الآن. قال: لا عليك أعدك بأن أمك وإخوتك سيعيشون معي، وسأغدق عليهم بكل ما تشتهيه أنفسهم... ولكن فكري الآن في نفسك، سيحضر العريس غدًا، وسيأتي مأذون الأنكحة والشهود، وسيتم كل شيء... لم يمهلني لأتكلم... لأرفض... ليكون لي رأي... سلمت أمري إلى خالقي قلت: لعل زواجي هذا يخفف عن أمي وإخوتي. لعل الله يفرج عنهم... وفعلاً جاء غدًا بما يحمله من مخاوف ورهبة... لم أر العريس فقد خرج مسرعًا بعد أن تم عقد النكاح... بحجة أنه مشغول ولكثرة ارتباطاته... وحدد أبي موعد الزفاف... لم أوافق على هذا الزواج حتى نفذ أبي وعده لي في ضم أمي وإخوتي إليه... وفعلاً أسكنهم في بيت لا بأس به بالقرب من قصره الفخم... وأصبح ينفق عليهم... جاء يوم الزفاف... وعندما أراد العريس الدخول علي؛ ليأخذني إلى عش الزوجية... كانت الصاعقة التي جعلتني أجهش بالبكاء... بل أنهار... فذلك الشاب الممتلئ فتوة وحيوية ونشاطًا، لم يكن إلا رجلاً مسنًا يتوكأ على عصاه... رجلاً في السبعين من العمر... ولكم أن تتصوروا كيف يتم التوافق بين فتاة غضة تبلغ من العمر تسعة عشرة سنة مع إنسان في سن أجدادها. رفضت أن أذهب معه... أو أن أسير خطوة واحدة... أخذت أصرخ لقد خدعتني يا أبي لن أسامحك... كيف هُنت عليك إلى هذا الحد تبيعني بهذه السهولة ولأجل حفنة من دنيا... تقتل فيّ الحيوية والنشاط لأجل مطامع نفسك. هل تريد أن تقضي على زهرة عمري... وأن تذبل ريحانة شبابي مع رجل كهذا... هل تريد أن تدفنني حية مع إنسان بلغ من العمر عتيًا..؟!! ألا تتقي الله في... ألا تخاف عقابه... لم أشعر إلا وأبي ينهال علي ضربًا وسبًا وشتمًا... يقول: فضحتيني... أتريدين أن تجعليني في موقف حرج يا حمقاء ، هذا رجلٌ ثري جدًا لن تجدي مثله، سترثين من ورائه الأموال الطائلة، ستعيشين معه في سعادة أنت لا تعرفين مصلحة نفسك... ثم إن بيني وبينه مصالح مشتركة إنك بتصرفك هذا تفسدين علي كل شيء... وعندما رأى والدي رفضي الشديد لهذا الزواج... هددني بلهجة حادة وصارمة قائلاً: إذا لم تذهبي مع زوجك سأطرد أمك وإخوتك إلى قارعة الطريق... ولن يجدوا لهم مسكنًا، أو مأوى لأنني قد تصرفت في البيت القديم، وستكونين أنت السبب في ذلك... حينها أسقط في يدي... عرفت أنه لا فائدة من احتجاجاتي، ولن يلتفت أحد إلى اعتراضاتي... رمقت أبي بعينين حزينتين وقلت له: لقد ضيعتني يا أبي، لقد ذبحتني بغير سكين... كيف تلقى الله؟!! ما موقفك يوم القصاص عندما أقف أنا وأنت بين يدي الجبار... لقد ظلمتني يا أبي، وظلمت عائلتك معي. واسَتْنِي أمي قائلة: بنيتي لا تقبلي بهذا العرض الرخيص... ولا تدفني نفسك مع هذا الإنسان لا عليك من تهديدات أبيك... سنتحمل العناء فقد اعتدنا عليه... ولنا الله؛ لن يتخلى عنا... وأهل الخير والأيادي البيضاء كثيرون، ولن يقصروا معنا , قلت لها: أمي يكفيك ما عانيته أنت وإخوتي، أما أنا فليس أمامي سوى الصبر واللجوء إلى الله، ولن يضيعني... فقط أريدك أن تدعي الله لي... بكت أمي، وهي تفوض أمرها إلى الله احتضنتني بكل شفقة ورحمة وهي تقول: كان الله في عونك يا بنيتي، كوني مع الله يكن معك، ولعله يُحدث لك بعد ذلك فرجًا ومخرجًا. عشت مع هذا الإنسان ولا مجال للتوافق بيني وبينه في أي شيء... إذا أراد الاقتراب مني اشمأززت... أرمقه بعيني أتساءل... هل هذا هو الزواج الذي كنت أحلم به؟!! كنت أتمنى شخصًا يفهمني وأفهمه، إنسانًا يعينني على الخير... يرشدني إلى الصلاح... فلم أجد من ذلك شيئًا... هذا نصيبي والحمد لله على كل حال . كان دائمًا يشتمني ويسبني... وأنا صامتة... بل ويضربني بعصاه، ويحقرني، بل وصل به الأمر إلى أن يشك بي حتى أصبح يحبسني، وإذا أراد الخروج من منزله أغلق علي الباب بالمفاتيح والأقفال... ولا أدري هل يظن أنني سأهرب وليت الأمر اقتصر على هذا الحد، بل كان إنسانًا شحيحًا بخيلاً مثله مثل والدي تمامًا... كان سيء الخلق... يتهاون في طاعته لربه...لا يبحث إلا عن شهوات نفسه. أقول: سبحان الله! إنسان في هذا العمر، وأقرانه، وأصحابه قد واراهم التراب، وغيبهم الموت... ومع هذا لا يتعظ... حاولت أن أتعايش مع هذه الحياة المريرة الكئيبة، ولكنني لم أستطع... من يراني من شدة الغموم والأحزان يظنني عجوزًا في الستين، ولا يصدق أنني فتاة العشرين ربيعًا. أصبحت حياتي كلها خريفًا جحيمًا لا يطاق... لقد ضاقت علي الأرض بما رحبت، النوم فارق جفوني، وشهيتي انعدمت من كل شيء... تكالبت علي الأمراض من كل حدب وصوب... كنت أرفع أكفَّ الضراعة إلى الواحد الديان أن يكشف عني هذا البلاء... ويزيل عني هذا العناء... تجرعت المأساة والألم... والغصص والأحزان... طالما رددت: لقد ضيعتني يا أبي... هذا ما جنته يداك... لقد ملكت ما أردت من الدنيا، ولكن كان ذلك على حساب فلذة كبدك وأبنائك... أبي لقد ضيعت الأمانة... ألا تتقي الله فينا، إن الله سائلك عنا وعن رعيتك، فماذا سيكون جوابك غدًا، وأنت لم تتحمل المسؤولية، ولم ترعَ الأمانة؟!! (لقد ضيعتني يا أبي). يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله سائل كل راع عما استرعاه»(رواه البخاري ومسلم). تطعن طفليها بسكين وتحرقهما بماء النار " تطعن طفليها بسكين وتحرقهما بماء النار " «دارلي» امرأة في العقد الرابع من عمرها... تعيش حياة زوجية سعيدة وتحيا حياة آمنة ومستقرة. رزقت بطفلين في حسن القمر، أحدهما «ديفون» البالغ من العمر 6 سنوات، والآخر «داهون» 5 سنوات , وفجأة دبت الخلافات بين الزوجين، وازدادت حدة المشاكل ليقاطع كل منهما الآخر . شعرت الزوجة بالتقارب الشديد بين طفليها وزوجها وترحيبهما بالإقامة معه، ففكرت في إيذائهما على طريقتها الغربية الخالية من أية عقيدة، فقررت قتلهما بطريقة منظمة، بحيث تبعد الشك عنها، وذات يوم اقتربت من فراشهما وهما نائمان بعد أن قبلاها... اقتربت منهما، وسحبت سكينًا طويلة نصلحها حاد، اقتربت من الأول وطعنته، ثم عجلت بالثاني ليصرخ الطفلان صرخة الوداع بصوت عالٍ... ارتعشت الأم وفقدت أمومتها، فسكبت عليهما الأسيد (ماء النار) لتشوه وجهيهما، ويلقيان حتفهما في الحال. بعد ذلك ذهبت إلى المطبخ لتغسل أداة الجريمة وتدفن ملابسها. وبعد ذلك تبلغ الشرطة وتدعي أن عصابة اقتحمت منزلها، وقتلت طفليها. لكن حبال الكذب بالية، ولا يصح إلا الصحيح... كذبت الشرطة أقوالها وفندت إدعاءاتها، فشرحُ الجريمة مختلف تمامًا عن تلك التي روتها الأم، ساورت الشكوك رجال الشرطة بعد اكتشافهم لجرح طفيف على رقبتها، كما عجزت عن تفسير سبب وجود بصماتها على السكين، وكذلك وجود كميات كبيرة من الدماء أمام حوض المطبخ. حاصرها المحققون، وأمطروها بالأسئلة، وأغرقوها بالألغاز والطلاسم حول مسرح الجريمة، رفضت في البداية التعاون معهم، لكنها سرعان ما انهارت، وكشفت الحقيقة، واعترفت بجريمتها النكراء ، وإقدامها عليها متعمدة انتقامًا من زوجها . هنا حمدت الله على أننا نعيش في مجتمع مسلم محافظ يحفظ للأمومة وللأسرة كيانها، ويجعل من البنين زينة الحياة الدنيا، فالأسرة بذرة في وحدة الأمة واستقرارها، والترابط الأسري خطوة طيبة في تشكيل المجتمع المسلم المتماسك (قصص وسط الزحام ). ضيعني زوجي فضاع أولادي " ضيعني زوجي فضاع أولادي " في أحيان كثيرة تكون الحقيقة مرة مرارة العلقم... قاسية قسوة الصخر... سوداء حالكة كسواد الليل البهيم... ورغم حقيقتها تكون أحيانًا أقرب إلى الخيال منها إلى الواقعية، وفي هذا العصر المتطور الذي تحولت فيه كثيرٌ من الأحلام إلى حقائق مرئية وملموسة... لم يقتصر التطور في المفيد، بل تسرب إلى السيئ، واستطاع الشيطان أن يعمل على تدمير أسر بكاملها والعياذ بالله. وأنا من هذه الأسر وإليكم قصتي بل مأساتي . كنت ككل فتاة في الدنيا لها أحلامها الخضراء المورقة وأمانيها البيضاء الكثيرة، وآمالها العراض... أحلم بالشهادة، ثم بالزوج الحبيب، والحياة الهانئة الكريمة، والأولاد والبيت الجميل... لم تكن أحلامي كغيري من الفتيات اللاتي يطمحن إلى الزواج من زوج غني، أو ذي منصب كبير... يسافرن في كل عام مرة على الأقل أو مرتين للسياحة...كانت أقصى أماني حصولي على الشهادة الثانوية العامة لأعمل بها، واتخذ من العمل سلاحًا، وزوج يعرف كيف يحبني ويسعدني، وأولاد يملؤون حياتي بالبهجة والسعادة، ويكونون لي سندًا عند المشيب . حصلت على الكفاءة المتوسطة، وكانت فرحتي بها لا توصف فهي تعني لي منتصف الطريق... وبينما أنا أعانق باقي أحلامي، وأحلق في سماء خيالي بعد حصولي على الثانوية العامة، إذا بفارس الأحلام يطرق بابي... ووجدت نفسي أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما الموافقة على الزواج من هذا الطارق، أو البقاء في بيت فقد مصدر الحنان والحبّ والعطف المتدفق... وانتظار قادمة جديدة زرع التفكير فيها الرعب في نفسي والقلق الدائم من مستقبل أسود ينتظرني... فحكايات زوجة الأب بأنواعها المختلفة القاسية لم تترك مجالاً في فكري لطرق القلق، وكأن زوجة الأب عدو لدود، أو جرثومة معدية تسبب الفتك والدمار... رغم طيبة بعضهن... كان عبد الله وهذا اسمه يحمل الصفات التي كنت أتمناها في زوج المستقبل... وشاءت إرادة الله تعالى أن يتم زواجي منه... ويشل نصف حلمي الأول , سارت حياتي مع عبد الله في البداية كأسعد ما تكون الحياة الزوجية، كان يحبني كثيرًا، ويدللني أكثر يحاول إرضائي بكل الوسائل، وحين يغضب علي ويشتمني رغمًا عنه أجده بعد ساعات قلائل قد جاء معتذرًا عما بدر منه وفي وسط هذا كله نسيت فكرة إكمال تعليمي. ولم يمض عام على زواجنا حتى رزقت منه بابني البكر خالد كانت فرحتنا به فوق الوصف خصوصًا في السنة الأولى من عمره، وما إن بلغ عامه الثاني حتى بدأت السُّحب القاتمة تحط رحالها في بيتنا، كان عبد الله يقول لي: إن طريقة تربيتك لابنك خطأ! وأنا أقول له: إن تربيتي لابني ليست خطأ، ورأيك ليس في محله. ويدور النقاش الحاد بيننا فيخرج غاضبًا تاركًا لي البيت. ومرت الأيام بنا تارة حلوة مشرقة، وتارة مرة كئيبة. ورزقت بولدين ومع دخولهما حياتي دخلت مشاكل كثيرة، وكثرت مسؤولياتي تجاههم وتجاه والدهم الذي أصبح كثير الغضب، عصبي المزاج، يضيق لأتفه الأسباب، حاولت بكل ما أستطيع أن أجعله يعود لطبيعته الأولى، ولكن عبثًا كنت أحاول... وفي غمضة عين من المعاناة التي كنت أرضخ تحت وطأتها، وجدت نفسي وأطفالي الثلاثة في حكم المشردين، عندما أرسل لي بالسكين التي فصلتني عنه وفصلته عن أولاده، وحالت بينهم وبين الحياة السعيدة المستقرة وبين المستقبل المضيء، وحكمت عليهم بأن يعيشوا أيتامًا ووالدهم حي يرزق، تلقيت هذه الطعنة بأسى وحسرة شديدتين، وقد شعرت بالضياع مع أولادي وأنا أرى نفسي في غابة الحياة الموحشة. كانت دموعي هي المنشفة الوحيدة التي تخفف آلامي وتطفئ لوعة قلبي، وحرقة نفسي... بعد تفكير طويل مضن أدركت أنني بحاجة إلى الوظيفة التي أرجو أن يجعلها الله سببًا في تأمين مستقبل أطفالي... لحظة ذاك احترقت أسفًا وندمًا؛ لأني لم أكمل تعليمي... وضيعت حلمين بدلاً من حلم واحد . اتكلت على الله سبحانه وتعالى، وسلمت أمري وأمر أولادي إليه... وأكرمني الله بوجود وظيفة ساعدتني على توفير متطلبات الحياة لهم... ورغبة في تأمين حياة كريمة لهم، ومستوى معقول من المعيشة... عاد لي حلمي الأول في إكمال دراستي... وساعدني الله ووفقني فدرست حتى حصلت على الثانوية، ثم الشهادة الجامعية فتحسن مركزي الوظيفي والمالي... ابني البكر بعد فترة من الزمن حصل على الشهادة الجامعية، ثم الوظيفة فالزواج... كانت سعادتي لا توصف وأنا أرى أن حصادي أثمر... ومضت الحياة بي وأنا أكافح كي أقدم لولدي الصغيرين ما قدمت للكبير... فأكون بذلك قد أكملت رسالتي ودوري كأم وأب ومسؤولة... وأنا في قمة الشعور بالأمان والاستقرار النفسي... أحسست ببوادر عاصفة مدمرة توشك على المرور من بيتي... شعرت بالخوف يعصرني، وتحولت الراحة إلى قلق وتفكير دائم...حينما سمعت عن غول المخدرات الذي بدأ يغزو أجساد الشباب، ويحيل ربيعهم إلى خريف دائم... سعيد ابني المتوسط أدمن المخدرات... هالني هذا الأمر وأنا أتلقاه، وكأنني أتلقى خبر وفاته... واشتد خوفي على الابن الأصغر الذي ذهب ليعيش مع جده منذ شهور قليلة. الدموع كانت سلوتي الوحيدة، والأمل في الله كان النور الذي يضيء حياتي رغم سوادها... تفككت أسرتي، وتفرق أولادي... الكبير انشغل بحياته الجديدة، ولم أعد أراه إلا كل فترة طويلة، عدم سؤاله عليّ وعلى إخوته كان يزيدني خوفًا، ويعذبني، ويشعرني بالضياع التام... الأوسط أصبح من رائدي السجون لا يكاد يخرج أو يفيق حت