غرام الزين - الفصل25/26 - بقلم آيه حنفي محمود - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: غرام الزين
المؤلف / الكاتب: آيه حنفي محمود
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل25/26

الفصل25/26

* _ࢪﯡاެيــۿ|| غَـࢪامَ الـِࢪ࣪يـٍــטּ🫶🏻🌚𐙚 »))_ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ *══════ •『 ♡ 』• ══════* *اݪـبــ25ـااࢪﭢ ♥️⃟ ⃟🌝ᡴꪫ˚.* *اݪـبــ26ااࢪﭢ ♥️⃟ ⃟🌝ᡴꪫ˚.* غرام الزين الفصل التاسع والعشرون ​الليل نزل على الفيلا بلونه الكحلي التقيل، بس المرة دي مكنش هدوء حزن، كان هدوء "الاستعداد للضربة الأخيرة". غرام كانت واقفة في أوضتها بتلم شعرها، قلبها كان واجعها بخوف غريب، مش خوف على نفسها، لكن خوف على زين اللي رايح يواجه جرحه القديم في صورة "عزمي". ​زين كان واقف تحت في الصالة، لابس لبس أسود بالكامل، وياسين جنبه، الاتنين شايلين في عينيهم نظرة "تار" بايت. زين رفع عينه وشاف غرام نازلة، كانت لابسة عباية سوداء وحجاب بسيط عشان تتدارى في الضلمة. ​زين بحدة: "غرام، قولتلك ميت مرة.. إنتي هتفضلي هنا. المكان خطر ومينفعش تكوني معانا." ​غرام بإصرار وهي بتقرب منه: "أنا الوحيدة اللي عارفة المداخل والمخارج يا زين. بابا كان بيحكي قدامي عن الثغرات اللي في "العشة المهجورة" دي وهو فاكر إني مش فاهمة. لو رحتوا لوحدكم، هتقعوا في فخ." ​ياسين بص لزين بهزّة راس: "معاها حق يا زين.. المنطقة دي زي المتاهة، واحنا محتاجين حد دليل." ​زين بصلها بـغرام وخوف باين في عينيه لأول مرة؛ مكنش خايف منها، كان خايف "عليها". مد إيده ومسك كف إيدها بضغط خفيف: "لو حصل أي حاجة.. هتفضلي في العربية، فاهمة؟" ​طريق الكريمات - الساعة 3 فجراً ​العربية كانت ماشية في وسط الصحراء والضلمة مابتنتهيش. زين كان سايق، وياسين جنبه عينه مش بتفارق السلاح اللي في إيده، وغرام ورا بتراقب الطريق بتركيز. ​غرام بهمس: "ادخل من المدق اللي جاي ده يا زين.. ده هيدخلنا من ورا المباني المهدودة، بعيد عن عيون الحرس اللي على البوابة الرئيسية." ​زين نفذ كلامها، وفعلاً وصلوا لمنطقة مهجورة، عبارة عن بيوت مكسرة ومخازن قديمة. نزلوا من العربية في صمت تام، الهوا كان ساقع بيلسع الوش، وصوت نباح كلاب بعيد كان بيزود الرعب. ​تسللوا بين الجدران، لحد ما وصلوا لأوضة منورة بنور ضعيف. ياسين أول ما شاف "نورا" مربوطة في الكرسي ووشها دبلان، قلبه كان هيوقف من الوجع، كان عايز يصرخ ويجري عليها، بس زين مسكه من كتفه بقوة عشان ميفضحش مكانهم. ​اللحظة الحاسمة ​فجأة، الأنوار الكبيرة قادت في المكان كله، وصوت ضحكة عزمي الرخمة هزت السكون: عزمي: "كنت عارف إنك هتيجي يا زين.. وكنت عارف إن بنتي الحبيبة هي اللي هتدلك. نورتوا يا رجالة!" ​رجالة عزمي ظهروا من كل ناحية، وزين وياسين بقوا في نص الدايرة. عزمي كان واقف فوق سطح واحد من المخازن وماسك مسدس. ​عزمي بغل: "خلصت اللعبة يا زين.. النهاردة هتموت في نفس المكان اللي أبوك خسر فيه كل حاجة." ​عزمي وجه المسدس ناحية صدر زين، وصابعه بدأ يضغط على الزناد. في اللحظة دي، غرام شافت لمعة السلاح، وشافت نظرة الغدر في عين أبوها. مكرتش لثانية، رمت نفسها قدام زين وهي بتصرخ: "لأ يا باااااابا!" ​(طااااااخ) ​صوت الرصاصة كان أقوى من أي صوت في الدنيا. غرام وقعت في حضن زين، والدم بدأ يصب على قميصه الأسود. زين عينه وسعت بذهول وصدمة شلّت تفكيره، حتة من روحه كانت بتنزف بين إيديه. ​زين بصرخة وجع: "غرااااااااام!" ​ياسين استغل الصدمة وبدأ يتعامل مع الحرس ببراعة، وقدر يوصل لنورا ويفكها وسط ضرب النار. زين مكنش شايف حد غير غرام، شالها وهو بيجري بيها زي المجنون تحت رصاص عزمي اللي كان بيطيش في كل حتة وهو بيصرخ بـانهيار لما شاف بنته هي اللي انضربت. ​في طريق المستشفى ​زين كان سايق العربية بأقصى سرعة، إيد على الدريكسيون وإيد تانية ضاغطة على جرح غرام اللي في كتفها وصدرها. ياسين كان ورا حاضن نورا المنهارة، بس عينه كانت على زين وغرام. ​زين بصوت مخنوق بالدموع: "غرام.. فتحي عينك يا غرام! عشان خاطري متسيبينيش.. أنا لسه مشبعتش منك، أنا لسه مابدأتش أحبك بجد! غراااام!" ​غرام كانت بتغيب عن الوعي، وشها بقى شاحب زي الورقة، وبصت لزين بابتسامة خفيفة ووجع وقالت بصوت مش مسموع: "خلي بالك.. من نفسك.. يا زين." ​زين كان حاسس إن قلبه مش راكب على بعضه، نبضه كان بيضرب في دماغه زي الطبل. لأول مرة "الزين" يحس بالضعف القاتل، كان خايف يفقد الست الوحيدة اللي حبها بجد، الست اللي خدت الرصاصة بداله وهي عارفة إنه سجانها. ​وصلوا المستشفى، وزين شالها ودخل بيجري وسط الممرات وهو بيصرخ في الدكاترة: "لو جرالها حاجة ههد المستشفى دي فوق دماغكم! غرام لازم تعيش!" غرام الزين ​الفصل الثلاثون ​المستشفى كانت ريحتها "موت" ووجع، الممرات الطويلة والأنوار البيضاء الباردة كانت بتعكس الرعب اللي في قلب زين. الممرضين والكاترة كانوا بيجروا بالترولي اللي عليه غرام، وزين بيجري جنبهم، إيده لسه متلطخة بدمها الدافي، وعينه مش مفارقة وشها اللي بقى بلون السحاب الأبيض من كتر ما فقدت دم. ​أول ما وصلوا لباب العمليات، الممرضين منعوا زين يدخل. وقف زين قدام الباب اللي اتقفل في وشة، وحس إن روحه هي اللي اتحبست جوه. ​بعد ساعة من الانتظار القاتل.. ​ياسين كان قاعد جنب نورا في الطرقة، نورا كانت بتترعش ومنهارة، وياسين ضاممها بكتفه وهو عينه على زين اللي واقف زي الصنم قدام باب العمليات، مش بيتحرك، ولا حتى بيرمش. ​خرج دكتور شاب، وشه كان مليان عرق وباين عليه القلق. زين جرى عليه ومسكه من اللاب كوت بتاعه بقوة: زين بصوت مخنوق: "غرام.. غرام عاملة إيه؟ انطق!" ​الدكتور بتوتر: "يا زين بيه، الرصاصة عملت نزيف داخلي كبير، وللأسف فقدت دم كتير جداً قبل ما توصلوا. فصيلة دمها نادرة (O Negative)، ومخزون بنك الدم عندنا خلص بسبب الحوادث اللي جات الصبح. لازم حد يتبرع لها فوراً وإلا قلبها مش هيستحمل." ​زين حس إن الدنيا بتلف بيه، وكأن القدر بيعاقبه في أغلى ما عنده. افتكر يوم وفاة والدته، لما كان واقف برضه قدام باب المستشفى والدكتور قاله "فات الأوان". ​زين بانهيار: "يعني إيه؟ يعني إيه مفيش دم؟ أنا أدفع مال قارون بس حد يتبرع لها! اسحبوا مني.. اسحبوا دمي كله بس تعيش!" ​الدكتور: "لازم الفصيلة تكون مطابقة يا فندم، وحضرتك فصيلتك مختلفة." ​زين خبط إيده في الحيطة بكل قوته لحد ما جرح إيده القديم اتفتح وبدأ ينزف: "يااااا رب! مش دي كمان يا رب.. مش دي اللي تروح مني!" ​الرابعة فجراً.. ​مرت الساعات وزين قاعد على الأرض في الطرقة، ساند ضهره على الحيطة وحاطط راسه بين ركبته. كان بيفتكر كل لحظة قساوة عاملها بيها، كل نظرة خوف شافها في عينيها بسببه. كان بيفتكر إزاي هي النهاردة اللي وقفت قدام الرصاصة عشان يعيش هو. ​زين في سره: "بقى أنا يا غرام اللي كنت عايز أكسرك.. تروحي إنتي تشتري روحي بدمك؟ يا ريتها كانت فيا أنا.. يا ريتني أنا اللي نايم جوه." ​ياسين قرب منه وحط إيده على كتفه: "زين.. أنا نشرت على كل الصفحات، وكلمت زمايلي في الشرطة. في ناس جاية في الطريق تتبرع. ادعي لها يا صاحبي، غرام قوية، وهي عارفة إنك مستنيها." ​نورا قامت بضعف وقعدت جنب أخوها، مسكت إيده اللي بتنزف وبدأت تمسحها بمنديل وهي بتعيط: "أنا آسفة يا زين.. كل ده حصل بسببي. غرام دي ملاك، هي اللي كانت بتطمني في سرها وهي خايفة منك.. كانت بتقولي إنك طيب بس الدنيا قست عليك." ​زين بص لنورا بذهول: "كانت بتقولك كدا؟" نورا هزت راسها: "أيوة.. كانت شايفة فيك الحاجة اللي إنت نفسك كنت نسيتها." ​الفجر بيشقشق.. ​فجأة، الممر وتملى بالناس؛ عساكر من رجالة ياسين، وناس عادية سمعت الخبر، والكل جاي يتبرع. بدأوا يسحبوا الدم بسرعة، والجو بقى فيه أمل ضعيف بدأ ينور في وسط الضلمة. ​خرج الدكتور تاني، بس المرة دي كان وشه أهدى شوية: "زين بيه، الحمد لله لقينا متبرعين، وبدأنا عملية نقل الدم فوراً. النبض بدأ يستقر شوية، بس لسه مرحلة الخطر ممرتش. هي دلوقتي تحت الملاحظة الدقيقة." ​زين غمض عينيه وسجد في نص الطرقة، سجد وبكى لأول مرة من سنين طويلة، بكى زي الطفل اللي لقى أمه بعد تيهة طويلة. كان بيشكر ربنا إن "الفرصة التانية" لسه موجودة. ​قام وقف، وبص من الإزاز الصغير بتاع العناية المركزة. شافها نايمة وسط الأجهزة، والأسلاك محوطاها من كل ناحية. ملامحها كانت هادية، وكأنها بتقوله إنها مسامحاه. ​زين بهمس للإزاز: "قومي يا غرام.. قومي عشان أوريكي الزين اللي شفتيه في خيالك.. قومي عشان نزرع شجرة ياسمين جديدة مفيهاش ريحة دم." غرام الزين ​الفصل الحادي والثلاثون ​الصباح بدأ يشقشق بنور هادي فوق جدران المستشفى الباردة، والهدوء كان سيد الموقف بعد أيام من القلق اللي أكل الأخضر واليابس. زين مكنش فارق الأوضة لحظة واحدة؛ كان قاعد على الكرسي الخشبي الصغير اللي جنب سرير غرام، لابس نفس القميص اللي عليه بقع دمها اللي نشفت، رافض يغيره كأنه خايف ينسى إنها فدته بروحها. ​كان ماسك إيدها الرقيقة بين إيديه الضخمة، بيحسس على صوابعها ببطء شديد، وكأنه بيتعرف عليها من أول وجديد. دموعه كانت بتنزل بصمت، بتمشي على وشه اللي شحب من السهر والتفكير. ​زين بصوت مخنوق وواطي: "يا ريتني كنت أنا يا غرام.. يا ريت الرصاصة دي سكنت في قلبي أنا ولا إنها تلمسك. أنا كنت فاكر إني قوي، بس طلعت أضعف مما تتخيلي وإنتي بعيدة." ​بدأ زين يفتكر كلام الدادة اللي قالتهوله في الممر قبل يومين، لما شافت حالته المنهارة. الدادة قالتله: "يا زين يا ابني، البت دي قلبها ملوش زي. لما حكيت لها عن اللي حصل لك وأنت صغير، وإزاي عمك ظلمك وطردك أنت وأمك في عز البرد، شفت في عينيها لمعة وجع مكنتش طبيعية. قالتلي (يا دادة، هو اللي شافه مش قليل، القسوة دي غلاف عشان يحمي نفسه من غدر جديد). هي شالت ذنبك يا زين، وحاولت تساعدك وتفهمك بعد كل اللي عملته فيها، عشان كانت شايفة (الزين) الحقيقي اللي مدفون جوه." ​غمض زين عينه والذكريات بدأت تهجم عليه زي الأمواج القوية. افتكر أول يوم جت فيه الفيلا، افتكر القسوة اللي كان بيعاملها بيها، وإزاي كان بيبصلها كأنها "تار" لازم يخلصه من عزمي. ​زين بصوت عالي شوية كأنه بيكلمها وهي غايبة: "أنا كنت حيوان يا غرام.. كنت مغمى عيني بسواد الانتقام. كنت بقرّب منك وأنا نيتي أوجعك، كنت فاكر إن كدا باخد حقي. افتكرت لما كنت بضغط على إيدك عشان تخافي مني؟ افتكرت لما حرمتك من الأكل ومنعتك تخرجي؟ كنتي بتشوفي الوحش اللي جوايا، ومع كدا جيتي في الآخر ووقفتي قدام الرصاصة عشان الوحش ده ميموتش." ​سكت شوية وباس إيدها بحرقة: "أنا عمري ما شفت حد في طهرك.. غدرت بيكي، ووثقت في (نادر) اللي كان بياكل في كتافي. كنتِ إنتي الأمان اللي أنا كنت بكسره بإيدي." ​اللحظة المنتظرة.. ​وفجأة، صوابع غرام اتحركت تحت إيده حركة خفيفة. زين جسمه كله اتنفض، ورفع راسه بسرعة وعينيه مليانة أمل مرعوب. جفن عينها بدأ يرتعش، وبدأت تفتح عينيها ببطء شديد بسبب النور اللي وجعها. ​زين بلهفة وفرحة كادت تطير به: "غرام! غرام إنتي سمعاني؟ أنا زين يا حبيبتي.. حمدلله على سلامتك. يا رب لك الحمد!" ​غرام بصت له نظرة طويلة.. مكنش فيها الوجع اللي كان متوقعه، ولا العتاب، ولا حتى الحب. كانت نظرة خالية تماماً من أي معرفة. بصت لوشه، وبعدين بصت لإيده اللي ماسكة إيدها، وبعدين لفت وشها في الأوضة باستغراب. ​غرام بصوت مبحوح وضعيف جداً: "إنت.. إنت مين؟ وإنا فين؟" ​زين كأن حد ضربه بالرصاص في قلبه، فرحته اتبخرت في ثانية وحل مكانها رعب أكبر: "إيه اللي بتقوليه ده يا غرام؟ أنا زين.. زين الجارحي! إنتي بتهزري صح؟" ​غرام سحبت إيدها من إيده بالراحة وهي بتكرمش جبهتها بتعب: "أنا مش عارفة إنت بتتكلم عن إيه.. أنا مش فاكرة حاجة.. ومش فاكرة إسمي حتى. إبعد عني لو سمحت." ​زين وقف مكانه متسمر، عينه وسعت بذهول، وحس إن الأرض بتتهد من تحت رجليه. هي فعلاً نسيت؟ نسيت الوجع؟ ونسيت الحب اللي كان لسه هيبدأ؟ ولا الدنيا قررت تمحي "زين" من حياتها للأبد كعقاب ليه؟ ​خرج زين يصرخ في الممر: "دكتووووور! حد يلحقني.. غرام مش فاكراني!" ​تفتكروا غرام فعلاً فقدت الذاكرة من هول الصدمة؟ ولا دي بداية خطتها عشان تهرب من سجن زين للأبد؟ يتبع .... ​المستشفى كانت ريحتها “موت” ووجع، الممرات الطويلة والأنوار البيضاء الباردة كانت بتعكس الرعب اللي في قلب زين. الممرضين والكاترة كانوا بيجروا بالترولي اللي عليه غرام، وزين بيجري جنبهم، إيده لسه متلطخة بدمها الدافي، وعينه مش مفارقة وشها اللي بقى بلون السحاب الأبيض من كتر ما فقدت دم. ​أول ما وصلوا لباب العمليات، الممرضين منعوا زين يدخل. وقف زين قدام الباب اللي اتقفل في وشة، وحس إن روحه هي اللي اتحبست جوه. ​بعد ساعة من الانتظار القاتل.. ​ياسين كان قاعد جنب نورا في الطرقة، نورا كانت بتترعش ومنهارة، وياسين ضاممها بكتفه وهو عينه على زين اللي واقف زي الصنم قدام باب العمليات، مش بيتحرك، ولا حتى بيرمش ​خرج دكتور شاب، وشه كان مليان عرق وباين عليه القلق. زين جرى عليه ومسكه من اللاب كوت بتاعه بقوة: زين بصوت مخنوق: “غرام.. غرام عاملة إيه؟ انطق!” ​الدكتور بتوتر: “يا زين بيه، الرصاصة عملت نزيف داخلي كبير، وللأسف فقدت دم كتير جداً قبل ما توصلوا. فصيلة دمها نادرة (O Negative)، ومخزون بنك الدم عندنا خلص بسبب الحوادث اللي جات الصبح. لازم حد يتبرع لها فوراً وإلا قلبها مش هيستحمل.” ​زين حس إن الدنيا بتلف بيه، وكأن القدر بيعاقبه في أغلى ما عنده. افتكر يوم وفاة والدته، لما كان واقف برضه قدام باب المستشفى والدكتور قاله “فات الأوان”. ​زين بانهيار: “يعني إيه؟ يعني إيه مفيش دم؟ أنا أدفع مال قارون بس حد يتبرع لها! اسحبوا مني.. اسحبوا دمي كله بس تعيش!” ​الدكتور: “لازم الفصيلة تكون مطابقة يا فندم، وحضرتك فصيلتك مختلفة.” ​زين خبط إيده في الحيطة بكل قوته لحد ما جرح إيده القديم اتفتح وبدأ ينزف: “يااااا رب! مش دي كمان يا رب.. مش دي اللي تروح مني!” ​الرابعة فجراً.. ​مرت الساعات وزين قاعد على الأرض في الطرقة، ساند ضهره على الحيطة وحاطط راسه بين ركبته. كان بيفتكر كل لحظة قساوة عاملها بيها، كل نظرة خوف شافها في عينيها بسببه. كان بيفتكر إزاي هي النهاردة اللي وقفت قدام الرصاصة عشان يعيش هو. ​زين في سره: “بقى أنا يا غرام اللي كنت عايز أكسرك.. تروحي إنتي تشتري روحي بدمك؟ يا ريتها كانت فيا أنا.. يا ريتني أنا اللي نايم جوه.” ياسين قرب منه وحط إيده على كتفه: “زين.. أنا نشرت على كل الصفحات، وكلمت زمايلي في الشرطة. في ناس جاية في الطريق تتبرع. ادعي لها يا صاحبي، غرام قوية، وهي عارفة إنك مستنيها.” ​نورا قامت بضعف وقعدت جنب أخوها، مسكت إيده اللي بتنزف وبدأت تمسحها بمنديل وهي بتعيط: “أنا آسفة يا زين.. كل ده حصل بسببي. غرام دي ملاك، هي اللي كانت بتطمني في سرها وهي خايفة منك.. كانت بتقولي إنك طيب بس الدنيا قست عليك.” ​زين بص لنورا بذهول: “كانت بتقولك كدا؟” نورا هزت راسها: “أيوة.. كانت شايفة فيك الحاجة اللي إنت نفسك كنت نسيتها.” ​الفجر بيشقشق.. ​فجأة، الممر وتملى بالناس؛ عساكر من رجالة ياسين، وناس عادية سمعت الخبر، والكل جاي يتبرع. بدأوا يسحبوا الدم بسرعة، والجو بقى فيه أمل ضعيف بدأ ينور في وسط الضلمة. ​خرج الدكتور تاني، بس المرة دي كان وشه أهدى شوية: “زين بيه، الحمد لله لقينا متبرعين، وبدأنا عملية نقل الدم فوراً. النبض بدأ يستقر شوية، بس لسه مرحلة الخطر ممرتش. هي دلوقتي تحت الملاحظة الدقيقة.” ​زين غمض عينيه وسجد في نص الطرقة، سجد وبكى لأول مرة من سنين طويلة، بكى زي الطفل اللي لقى أمه بعد تيهة طويلة. كان بيشكر ربنا إن “الفرصة التانية” لسه موجودة. ​قام وقف، وبص من الإزاز الصغير بتاع العناية المركزة. شافها نايمة وسط الأجهزة، والأسلاك محوطاها من كل ناحية. ملامحها كانت هادية، وكأنها بتقوله إنها مسامحاه. زين بهمس للإزاز: “قومي يا غرام.. قومي عشان أوريكي الزين اللي شفتيه في خيالك.. قومي عشان نزرع شجرة ياسمين جديدة مفيهاش ريحة دم.” يتبع…