الفصل الأول: اللعنة نور كانت دائمًا مختلفة عن الجميع. فتاة هادئة وذكية، ذات عينين بنيتين تحملان في عمقهما تساؤلات عن العالم من حولها. كانت تعيش في بلدة صغيرة على حافة الغابة، بلدة تعج بالأساطير الغامضة والقصص التي تتداولها الأجيال. ومع ذلك، لم تكن نور يومًا من المؤمنين بتلك الأساطير. كانت تعتبرها مجرد حكايات قديمة تروى لتخويف الأطفال وإبقائهم في منازلهم بعد غروب الشمس. كانت نور تعمل في مكتبة صغيرة ورثتها عن جدتها، مكان ضيق تفوح منه رائحة الورق القديم، تغمره رفوف طويلة مليئة بالكتب المنسية. على عكس أقرانها، كانت نور تجد السلام بين صفحات الكتب، تتنقل بين قصص الأبطال والمغامرات، وتعيش حياتها في هدوء بعيدًا عن ضوضاء العالم الخارجي. ولكن ذات يوم، تغيرت حياتها إلى الأبد. بينما كانت تنظف أرفف المكتبة المتهالكة، لاحظت كتابًا قديمًا لم تره من قبل. كان مخبأً خلف مجموعة من الكتب الأخرى، بغلاف جلدي أسود متشقق وكأنه لم يُمس منذ عقود. شعرت نور بشيء غريب، كأن الكتاب كان ينتظرها طوال هذه السنين. مدّت يدها ببطء وسحبته من بين الكتب الأخرى، وبدأ قلبها ينبض بسرعة غير مبررة. عندما فتحته، كانت الصفحات صفراء وهشة، مليئة برموز قديمة وكلمات غامضة. ورغم أنها لم تفهم اللغة، إلا أن شيئًا بداخلها دفعها لمواصلة القراءة. عيناها انزلقت على الكلمات المحفورة بطريقة غريبة، وكلما قرأت أكثر، ازدادت الغرفة برودة غريبة. ثم حدث ما لم تكن تتوقعه. الأرض اهتزت من تحت قدميها، ونسمة باردة عبرت المكتبة كأن شيئًا غريبًا قد أُطلق من قيده. شعرت نور بأنفاسها تنحبس، وجسدها يرتجف من الخوف. كانت هناك كلمات أخيرة في الكتاب، كلمات شعرت بأنها يجب ألا تُقال. ومع ذلك، كانت قد نطقتها بصوت عالٍ دون أن تدرك ذلك. فجأة، انطفأت الأضواء في المكتبة، وساد الظلام. وقبل أن تستعيد نور وعيها تمامًا، شعرت بوجود شيء خلفها. صوت خطوات خفيفة على الأرضية الخشبية، ونبضات قلبها تسارعت. استدارت ببطء لتجد نفسها وجهاً لوجه مع عيون حمراء تتلألأ في الظلام، عيون لا تنتمي لأي إنسان. بينما كانت نور تحدق في العيون الحمراء المتوهجة أمامها، شعرت فجأة بيد باردة تلتف حول عنقها. كانت القبضة قوية، أقوى مما يمكن لأي إنسان أن يحتمل. حاولت الصراخ، لكن الصوت اختنق في حلقها، وشعرت بالهواء يهرب منها. الألم كان شديدًا، وكأن الحياة تنسحب ببطء من جسدها. قلبها ينبض بجنون، جسدها يقاوم بلا جدوى، وكل محاولة منها للتحرر كانت أضعف من أن تؤثر على اليد التي تمسك بها. كانت القبضة أشبه بالحديد، قوية وباردة، لا تحمل أي رحمة. عيناه الحمراوان كانتا تراقبانها بلا شفقة، وهما ممتلئتان بالغضب والجوع الذي لا يمكن إشباعه. شعرت نور بقواها تتلاشى بسرعة. كانت رؤيتها تتشوش، وجسدها بدأ يضعف تحت تأثير الألم والخوف. قدماها خذلتها، وبدأت تنهار تدريجيًا، وشيئًا فشيئًا تلاشى كل شيء حولها. آخر ما رأته كان ملامحه القاسية وهي تقترب منها أكثر، ثم غرق كل شيء في الظلام. في تلك اللحظة، غابت عن الوعي تمامًا، تاركةً جسدها ينهار بلا حول ولا قوة بين يديه، بينما العالم من حولها أصبح فارغًا وساكنًا. كانت تلك اللحظة بداية الكابوس الذي لم تكن تتوقعه.