"رَيَـا" أنـا ( رَيَـا )... خُلِـقتُ فـي حيٍّ ثريِّ لا يـسكنه إلا الأغنياء و الأثرياء... إن فكَّر شخص ذا دخلٍ متوسطٍ السكنَ هنالكَ... طردوه... أبي من أشهر الأشخاص في مدينتنا تقريباً... فما نملُكه من مالٍ و ثراءٍ قد جعلنا معروفيـن بين النِّساء و الرِّجال... عِشتُ أطيبِ و أفضلِ عيشةٍ يتمناهـا الكثيرون... و بدأتُ الذهابَ للمدرسةِ في سنِّي السّابعة... سمِعت عن فتاةٍ في نفسِ عمري... جميلة... لكنها حمقاء و غبيةٍ بشكلٍ ملحوظٍ... يستديرُها الفِتيان لِجمالها... و يتجنبنهــا الفتيات لحماقتِها و غبائِها... و كما سمِعتُ أنها ذات دخلٍ متوسّط... عرفتُ هذهِ المعلـوماتِ عنها من قِبَل فتياتِ صفّي الّلاتي يتحدّثن عنها في كلّ حوارٍ يتحدثنه... فانتـابني الفضولُ للتّأكد ما إن كان كلامهمْ صحيح بشأنِ تلكَ الفتاةِ... و عندما بادرتُ بالحديثِ معها... كان كلّ كلمةٍ سمعتها عنها صحيحة!!... فهيَ فتاةُ كبرياء و غرورٍ... فسألتُ عن اسمِ تلك المكروهةِ الجميلة... فأُجِبت بــ( سلمى )... لا أعرف لمَ أحببتُ شخصيّتها التي تجنب الجميعُ التخلقُ بها و لو لِنصف يومٍ فقط!!... للعلمِ بأنها لا تمتلكُ أي أصدقاء... فأصابني الذهولُ بعد معرفةِ هذا... هل يُعقل أن المدرسةَ كُلها يسودَها التّواضعُ و المحبّة و اللين؟... أم هيَ قد وصلت للحدّ الأقصى من التفاخر و التّباهي لدرجة تجنب الجميعَ لها؟... أم أنا مستجدة ليس لي بدرايةٍ عن هذه المدرسة... فـ بعد تراكمَ أفكاري التي لا مغزىً لها... قررتُ بناءَ صداقةٍ معها في السنة الأولى لي في المدرسة الإبتدائيةِ... و ها نحن أفضل أصدقاءٍ تعرفها المدرسة... مما تسبب كرهُ الجميع لي أيضاً!!... و لكن أقلّ بكثيرٍ من كرهِهُم لــ( سلمى )... لم أهتم بذلك... و تجاهلتُ فكرةَ أنَّ من المهمّ أن يحبّك كل من في المدرسةِ... و لكن بين الحينِ و الأُخرى... يصيبني الكَرَب بسبب نبذِهم لي و لصديقتي... و لكن تماشيتُ مع ذلك... و أصبح بالنسبة لي شيئاً عاديًّا... حتى بلِغتُ السادسة عشَرَ مِن عُمري... و ما زال الوضعُ و الحالُ كما كان و اعتادَ... "سَلمى" عندما دخلتُ المدرسة لأوّل مرة... كان الكُل بشِعٌ بشكلٍ فضيع!!... لم أُحب أبداً طُلابها... و لا حتّى معلماتها... إنهم يثيرون اِشمئزازي دائماً... لِمَ لمْ يُخبرني أبي بأنني سأدخل في مدرسةٍ إبتدائيةٍ كهذهِ!!... كانَ بإمكانه إخباري لأرفض مباشرةً و بدون أن أناقشَ دماغي حتى!!... كان الكل لا يحبني... لأنهم يغارون مَن هم أفضل منهم... آهه... لم أكن أهتم لنظرتهم الإشمئزازية نحوي... و في يوم فظيع كطلابِ مدرستي... سلّمت علي فتاة يبدو عليها القلق... آه لم أُعطِ لقلقِها إهتماماً... و رددتُ السلام... يبدو أنها لا تختلف عنهم كثيراً... و لكنها كانت أفضل منهم قليلاً... قليلاً... و في اليومِ الذي تَلاهُ... أتتني نفسَ الفتاةِ... و أخبرتني بأنها تُريد أن تُصادقني إن لم يكن لديّ مانعاً... اندهشتُ قليلاً... فلم يتجرأ أحدٌ من قبلها الإقتراب من فتاةٌ مثلي... فقبلت ذلك... لا أعرف كيف أصبحنا أصدقاء... لم نَكُن مجرد أصدقاء... بل أخوات... رغم أنها لا تشبهني في التصرف و لا في الشكل... فهي متوسطة الجمال... و ثرية جدّا... و حتى الآن... صداقتنا تتجددُ في كل مرة نقابل بعضنا... لا أدري... أصبح طلاب المدرسة يتجنبوها طالما تجنبوني... و لكن ما أدخل الإطمئنان في قلبي... بأنها لا تهتم لذلك أبداً... فبدأتُ أتواضعُ رويداً رويداً... بعدما أخبرتني ( رَيَـا ) أن سبب تجنب الجميع لي هو تكبري... لم أندهش لأنني كنت أعرف ذلك... فتواضعتُ من أجلها... ليس محبةً للطلابِ... "حفلةُ عيدِ ميلاد!" كما اعتادت أن تذهب ( رَيَـا ) إلى المدرسة الثانوية... التقت بصديقتها ( سلمى )في الصباح الباكر... فقالت مبادرةً و هيَ تصيحُ بــ( رَيَـا ) : - أهلاً... أهلاً يا ( رَيَـا )!!... أخبرتُ الكل بأن عيد ميلادكِ اليومُ... فلا يُمكنكِ أن ترفضي فكرةَ إنشاءَ حفلةً خاصةً في منزلكِ!!... هيا هيا هيا... و هزّت كتفها بكتفِ ( رَيَـا ) لِتوافق... فردّت ( رَيَـا ) و هي مُمسكةٌ بكتابها دون أن تنظر لــ( سلمى ) : - بحقك يا ( سلمى )؟... نحن في فترة الإختباراتِ... لا يمكنني ذلك... كما أن أهلي متشددين... لا تُعجبهم هذهِ الأجواء... سنؤجل هذه الفكرةَ طالما أنها غير مهمةً... و قالت ( سلمى ) مقاطعةً و هيَ تسحبُ الكتابَ من يدِ ( رَيَـا ) و تضحك : - ياااه... كم أنتِ نكدية بشكل مقزز... حسناً... ستنهي مذاكرتكِ في الظهيرةِ... و سنُقيم الحفلةَ ليلاً... هاااا... إنها بديلٌ رائع... لا عذر لكِ الآن!!... - فردّت بحزمٍ : لا!!... - قالت و هيَ تضحك : سنقيمها... و هذا رأيي يا عزيزتي... لكن ليس في منزلك إن كان هذا يزعجك يا نكدية... سنجعلها في منزلي... و رفعت حاجِبيها بشكل متكرر... لتنالَ موافقتها... - فردّت ببسمةٍ خفيفةٍ : حسناً... من أجلك وافقتُ... و لكن سنعودُ باكراً!!... - فقفزت من الفرحةِ و هيَ تقولُ : نعم!!... هذه صديقتي التي أعرِفها!!... شكراً جداً!!... جداً!!... فرَجعت ( رَيَـا ) لمنزلها... كانت متعبةٌ جداً... من يومٍ شاقٍ مليءٌ بالكتبِ و الدفاترَ التي لا تُفارق نظرها... و ألقت بنفسها في سريرها المُريح... و طلبت من عاملتها ( سِند ) ترتيب أغراضها... و إعداد بعض الحلويات و الأطعمة الشهية لحفلةِ الليلةِ... و صاحت ( رَيَـا ) بــ( سِند ) بصوتٍ مرتفع يصحبه التعب و الإرهاق : - أفيقيني يا عاملة في الساعة الرابعة عصراً... و أعدي الكثير من الأطعمة كما طلبت!!... - أمرُكِ سيّدتي... فاقت ( رَيَـا ) عصراً... و بدأت المُذاكرة كما اتفقت مع ( سلمى )... فأتت أُختُ ( رَيَـا ) الكُبرى ( ناتَلي ) مقاطعةً مذاكرتها : - أوه يا صغيرتي... سمعتُ أنك ستذهبين لحفلةٍ ما... إلى أين يا صغيرة؟... - لا تقاطعيني الآن أرجوكِ... و دعيني أنتهي من هذه المادةَ الفظيعة!!!... لا يمكنني إنهاؤها و أنتِ تسألين سؤال يَليهِ سؤالاً... - فردّت ضاحكة : لمْ أسألكِ إلا سؤالاً واحداً يا مجنونة... - فقالت مُسرعة : حفلة بمناسبةِ عيدِ ميلادي... - فقالت و هي تتصنع الدهشة : ههههه... لم أعتقد أن يحبك أحدٌ يوماً!!... فأكملت ( رَيَـا ) مذاكرتها بينما تتحدث أختها ( ناتَلي ) عن الحفلة التي تعتقد أنها حفلةٌ بائسةٌ... و حينما انتهت... قد رحلت أختها منذ دقائق... فكانت الساعةُ السادسة مغرباً... فذهبت للصلاةِ... و بعدها طلبت من ( سِند ) أن تحضر لها فستانها البحريّ الذي يحيط به الورود البيضاء التي شُكلت بأجمل الأشكال... و الأزرار الفضية اللامعة التي تصنع لمعاناً قوياً عندما يصيبها أي لون من الأضواء... و الذي كان يشغل حيزاً كبيراً في خزانتها العملاقة... عندما ارتدته... أصبحت فتاةٌ أخرى... و ليست بــ( رَيَـا )... من شدة جمالها الذي أبرزه الفستان البحري الرفراف الكبير... ركبت عربة كبيرة كأنها عربة ملكية تركبها الأميرات فقط... و ودعت أباها الذي ارتسمت على وجهه الإبتسامة التي شقّت وجهه بدون سبب... و عندما وصَلت منزلُ ( سلمى )... كانت آخر من يصل الحفل... طرقت الباب بشكل رقيق... و دخلت... حينها لاحظت ( رَيَـا ) الدهشة التي أصابت كل الفتيات المتواجدات في الحفل... و بدأ صوت الهِتافُ يتصاعدُ قليلاً قليلاً... حتى بدأن بتقديم الهدايا... و التصفيقُ... و هز فساتينهن الكبيرة المزركشة بألوان مختلفة... و كانت الغرفة مظلمة و تسودها الألوان التي كانت تصدر من تلك الأداة المعلقة في الأعلى... و ازداد الضجيج في الغرفة... بعد انتهاء الحفلة... بدأن الفتيات بالذهاب لمنازلهن مودعات ( سلمى ) و ( رَيَـا )... حتى تبقت ( رَيَـا )... فقالت ( رَيَـا ) بتأسف : - أدعو لك بالرحمةِ ( سلمى )... كيف ستنظفين كل هذه الفوضى... - فردّت و هي تضحك : بحقّك عزيزتي... هل هذا يُعتبر فوضى!!... إنها مجرد كركبةٍ خفيفةٍ أيتها الثرية المدللة... سأنظفها سريعاً و سأعود إليكِ... فضحكت ( رَيَـا ) على تلقيبها بالمدللة... و بدأت تتأمل في منزل ( سلمى )... الذي كان منزلٌ عاديّ... لا يُشير حتى على أنه منزل متوسطُ المادية... كان و كأنه منزلُ فقيرةٍ بالنسبة لــ( رَيَـا ) الغنية... كانت بيوت العناكب تتواجد في كل زاويةٍ من زوايا الغُرفةِ... حتى جاءت ( سلمى ) و شقّت تفكير ( رَيَـا ) قائلة و هيَ تبتسم : - نعم نعم... أعرف بما تفكرين... هذه الغرفة البشعة... - فقالت و هيَ تنفي و بتوتر : لا... ليس هذا ما قصدته... و لكن كنت أعتقد أن منزلك أفضل بقليل... - قالت و هيَ تضحك : إنك لا تخجلين حتى من قولِ هذا... لا يا ثرية... إنها غرفةٌ نادرٌ ما أنظفها أو يدخلها أحد... لذلكَ هي بهذا الشكل... إن هذه الغرفة لا تمثل منزلنا يا شمطاء... - قالت و هي تضحك : نعم توقعتُ ذلك... - وأكمَلت : أعطيني لحظة أتصل بها على سائقي ليرجعني للمنزل... لقد تأخر الوقت... إنها الحادية عشر مساءً!!... - قالت و هيَ متأسفة : نعم... لم نتفق على هذا... الوقت مضى بسرعة... و لم أنتبه... آه... أنا أتأسف بشدة... - لا عليكِ عزيزتي... كل شيء على ما يرام... لم يرد السائق على إتصالات ( رَيَـا ) المتكررة... فبدى عليها التوتر... فلاحظت ( سلمى ) التوتر و القلق الذي ارتسما على وجهها... فسألتها بتعجب : - ما بكِ؟... لا يُجيب؟... - فردّت و هي متوترة : نعم... لا أدري ما به... لم يعتد على ذلك... فاتصلت مراراً و تكراراً... بلا فائدة... فقالت ( سلمى ) : - لما لا تبيتين في منزلي اليوم؟... - فقالت بقلق شديد : لا... لا... لا يعجبني المبيت في منزل غيرَ منزلي!!... و أكملت : سأذهب سيراً بالأقدام... فردّت ( سلمى ) بتعجب و دهشة : لا يمكنك... ففستانك كبير جداً!... سيتمزق في منتصف الطريق... كما أن الظلام دامساً... و الطريقُ مظلماً... - فقالت و الدمعة اصطحبتها : لا تخيفينني أكثر يا ( سلمى )!... كما أنني قلت... لا أحب المبيت أبداً... فردّت بخيبة أمل : حسناً... كما تريدين... و لكن انتبهي على نفسكِ جيداً... - ردّت و العرق ملأ خديها و القلق يتملكها : حسناً... ألقاكِ غداً... فاحتضنتا بعضهما... و مسكت ( رَيَـا ) بمقبض الباب الخارجيِّ و دفعته ليفتح...