حــــــيـــــن خــــــــــانـــــــتــــــــنــــــي الأقـــدار - بقلم Kiana - مكتملة | روايتك

😭😭😭😭😭😭😭😭 كانت تجلس بين صديقاتها الثلاث، والضحكات تتعالى حولها كأن الليلة عادية... كأنها لا تُزف إلى مصيرٍ لا تعرف ملامحه. لم ترَ العريس. لم تحفظ اسمه جيدًا. وافقت... فقط لأنها ظنت أن القبول أسهل من الانتظار. كانت تتمنى أن تأتي هذه اللحظة يومًا ما، لكن مع الشخص الذي يسكن قلبها... لا مع رجلٍ غريب سيجلس أمامها بعد دقائق، لتُتلى بعض الآيات، ويُكتب اسمان في سطرٍ واحد. شعرها منسدل بحرية على كتفيها، وعيناها تلمعان بشيءٍ يشبه الحيرة أكثر من الفرح. في الخارج، كان هو يستعد. وفي الداخل، كانت الأقدار تبتسم بسخرية خفية. لم تكن تعلم... أنها لم توافق على رجلٍ مجهول فحسب، بل على حكاية ستقلب حياتها رأسًا على عقب. --- قربت منها صديقتها مرام، وطبطبت على كتفها بخفة وهي تقول بمزاح تخفي به قلقها: «مالك يا ختام؟ إيه ده... إحنا رايحين نقرا فتحتك ولا نودّعك؟» ابتسمت ختام ابتسامة باهتة وهمست: «مفيش... كويسة.» رفعت مرام حاجبها، واقتربت أكثر: «كدابة. عينك بتقول كل حاجة. مالك؟ أنا فاهماكي.» تنهدت ختام ببطء، وكأن الكلمات كانت تختنق داخلها: «أنا بس... عايزة أعرف. هو سيف... لما كان رايح يتقدم لأمنية، كان عامل إزاي؟ كان فرحان؟ كان مبسوط؟ أكيد كان... صح؟ طب أنا ليه مش فرحانة زيه؟ ليه حاسة إن قلبي بيتسحب مني؟» ساد صمت ثقيل للحظة. اقتربت صديقتهم الثانية بانفعال: «يتحرق هو وهي وأختها وأمها وكلهم! مش إنتِ قولتي إنك كرهتيهم؟ ولا النظام اتغيّر؟» أغمضت ختام عينيها، وارتجف صوتها: «لا... كرهته. كرهته جدًا كمان.» لكن عينيها قالت شيئًا آخر... قالت إن الكره أحيانًا يكون الوجه الآخر لحبٍ لم يمت بعد. --- بعد ما انتهت صديقاتها من تجهيزها، وقفت ختام أمام المرآة للحظة طويلة. كانت... أشبه بأميرة خرجت لتوّها من إحدى حكايات The Walt Disney Company. الفستان الأبيض ينسدل حولها بنعومة، نفس الفستان الذي اختارته يومًا وهي تضحك، وتقول بثقة: "ده اللي هلبسه يوم ما سيف ييجي يطلب إيدي." كانت ترى المشهد بوضوح آنذاك... هو واقف بفخر، وعيناه لا تفارقانها. كان من المفترض أن يكون اليوم له... أن يكون الاسم الذي يُتلى هو اسمه. لكن النصيب... لا يستأذن أحدًا. مدّت يدها تتحسس القماش برفق، وكأنها تتأكد أنه حقيقي، ثم همست لصورتها المنعكسة: «كان نفسي تكون أنت... يا سيف.» ارتعشت شفتاها، لكنها ابتسمت رغمًا عنها. بعض الابتسامات لا تعني الفرح... بل تعني الاستسلام. ثم جاء صوت من الخارج ينادي باسمها. وأُغلق الباب... ليبدأ فصل لم تختره بقلبها، لكن كتبته الأقدار باسمها. --------- خرجت ختام من غرفتها، تحيط بها صديقاتها الثلاث، كأنهن سورٌ يحميها من العالم. كنَّ سعيدات بحق... فبعد سنوات من الرفض، وبعد العقدة التي تركها سيف في قلبها، وافقت أخيرًا على عريس. ظنوا أن الصفحة طُويت. أن الماضي انتهى. لكن ابتساماتهن تجمّدت فجأة. توقفت أقدامهن. وتراجعن خطوة إلى الخلف. شعرت ختام بالحركة حولها، فالتفتت باستغراب... وجدتهن بعيدات قليلًا، عيونهن متسعة، مثبتة على شيء أمامهن. أمامها. عقدت حاجبيها، ثم رفعت نظرها ببطء. وفي اللحظة التي التقت فيها عيناها بعيني العريس... توقّف الزمن. كانت الصدمة من نصيب الجميع، لكن صدمتها هي... كانت أكبر. سيف. هو نفسه. واقف أمامها، بنظرة تختلط فيها المشاعر؛ حب قديم، شوق طويل، فرحة لم تكتمل، وندم ثقيل يحاول أن يختبئ خلف ثباته. أما هي... فنظرت إليه بوجع لم يلتئم، بخذلان لم يُنسَ، بشوق حاولت قتله، وحب لم يمت... ومعاتبة صامتة أقسى من ألف كلمة. كأن كل ما دفنته عاد للحياة دفعة واحدة. لكنها أفاقت على صوت مرام، العالي والغاضب: «سؤال واحد بس... إنتوا هتقفوا كده وتتفرجوا عليها وهي داخلة تتجوز واحد مطلّق؟!» وانفجر الصمت. --- أم سيف قربت من مرام قائلة: «أمها وأبوها موافقين... إنتِ مالِك؟ هم مش واقفين بيتفرجوا عليها وهي بتقتل نفسها. وهم موافقين إن ابني ياخدها. وكمان ماله مطلق يعني يا بنتي؟ مش من حقه يفرح ويتجوز ويعيش حياته؟» مرام: «لا سمح يا طنط... بس برضه ما ينفعش يتجوز واحدة كان ماشي معاها، أو حتى من طبقات فقيرة - ده كان كلامك برضه من ست سنين، ولا إيه اللي اتغير؟ وكمان آه، مش من حقهم يعيش حياته ويتجوز من واحدة بنت بنوت يا روحي؟ يا شوفتي واحدة مطلقة؟ أهو يرجع لطليقته. وكمان اللي بياخد ربنا مش ابنك... ربنا ياخد ابنك وياخدك. ومالي؟ لا هو مالي ومالي كمان. إنتِ مش هتخليها ست سنين ونص بتعيّط، وفي الآخر ترجعي تقولي: معلش ارجع لك؟ لا... خليه لك، وغوري بيه من هنا.» كانت الأم والأب واقفين بيتفرجوا على اللي بيحصل، لغاية ما قطع كلامهم صوت الأب قائلًا: «ختام، بصّي لي هنا وقولي... كلام صاحبتك وحماتك دي صح؟» سارة صاحبة ختام قالت بسرعة: «الولية الحرباية دي مش حماتها... بس أيوه يا عمو، الكلام صح. بس ده من ست سنين، وهو راح اتجوز واحدة عقربة من اختيار أمه الحرباية.» الأم بحدّة: «سارة استني! أبوها بيتكلم مع بنته، مالكيش دعوة بيهم. ردي يا بنت على أبوك... يلا.» ختام رفعت عينيها بثبات وقالت: «آه... كلامهم صح يا عادل باشا.» قرب الأب منها، وصوته مليان غضب وخيبة: «أنا طول عمري كنت برفع راسي بيكي وبقول إن أنا مخلف راجل مش بنت... وفي الآخر تروحي تعملي عملة سودا زي دي؟ طيب ما خفتيش على شكلي؟ ما خفتيش على شكل أمك؟ ولا خلاص... خليتيني آخر اهتماماتك؟» ختام ضحكت بمرارة: «آخر اهتماماتي؟ لا يا عادل باشا... أنتم ما كنتوش آخر اهتماماتي، بس أنا كنت آخر اهتمامكم أنتم الاتنين. واحدة مهتمة بالنادي وأصحابها وحياتها، وواحد مهتم بشغله وحياته وأصحابه. الاتنين عايزين يعيشوا حياتهم... اتجوزوا وخلفوا، وابنهم مات، وأنا اللي فضلت. وكل ده مش فارق معاكم غير إنكم تعيشوا في مستوى حلو. هو حد فيكم جه سألني قبل كده: ختام، إنتِ خدتي إيه في المدرسة؟ ختام، إنتِ أكلتي؟ ختام، عندك صحاب؟ ختام، موافقة على الجامعة اللي اخترناها لك؟ لا... محدش سأل. أنا علشان ما كنتش عايزة أدخل الكلية اللي اخترتوها، دخلتها برضه علشان أبقى زي عيال صحابكم. سألتوني أنا عايزة إيه؟ لا طبعًا. دخلت الكلية اللي أنتم اخترتوها، بس لما حبيت شخص... أنا اللي اخترته، طلع في الآخر ابن أمه، ضعيف قدامها، وسابني علشان شخصية زبالة اسمها أمه. وفي الآخر جاية تعاقبيني؟ تعاقبيني علشان إيه؟ علشان خليتكوا تتصدموا فيا؟ ولا علشان لأول مرة عملت حاجة أنا اللي اخترتها؟» الأم بسخرية وهي بتسقف بإيدها: «برافو يا كمان يا ممثلة يا تحفة!» العمة بحدة وغلّ واضح: «أنا طول عمري بقول البنت دي نظيفة، بس طلعت زي ما إنتِ بتقولي يا منى... غبية وأنانية. وكفاية إنها السبب الوحيد إن أخوها الوحيد يموت. والله إحنا بقينا بنكرهك جدًا. يا ريت اللي مات فعلًا تكوني إنتِ مش أخوكي منذر.» سارة انفجرت غصب: «هو إيه الجديد يا طنط في اللي بتقوليه؟ ما هي طنط منى خلتها مكروهة من العيلة! وإنتوا أصلًا ما كنتوش قابلين بيها من يومها. كنتوا عايزينها ولد علشان يبقى جنب منذر. أول ما شفتوها بنت كلكم رفضتوها، وأمها رفضت تستلمها. مفيش غير مامت مرام اللي خدتِها وجابتها لكم!» ختام بصوت ثابت رغم النار اللي جواها: «أنا مية مرة قلت لكم... أنا لا مستنية منكم حب ولا كره.» الأب - عادل بملل وهو بيعدل هدومه: «بصي علشان مش ناقص صداع، أنا عايز أقعد على القهوة مع أصحابي. إنتِ هتوافقي على الجوازة دي غصب عنك. مش في مزاجك. فاهمة؟ صورتنا قدام الناس وشكلنا أهم. مفهوم ولا لأ؟» ختام بعناد واضح: «لا... مش موافقة، ومش عايزة. سيب لي حاجة واحدة أختارها في حياتي.» قرب منها عادل، ورفع إيده علشان ينزل بالقلم على خدها... فجأة سيف وقف بينهم، ومسك إيد عادل قبل ما تنزل: «إيدك يا عادل باشا. مش علشان هي بنتك تضربها. هي ليها الحق الكامل إنها ترفضني أو تقبلني. مش إنت اللي هتيجي تعيش معايا.» عادل بحدة: «بعد إذنك يا سيف يا ابني، أنا أب وربيت بنتي، وأنا هخليها توافق غصب عنها.» سيف بعين ثابتة وصوت حاسم: «أولًا أنا مش ابنك. ثانيًا إنت فاكر نفسك سبع أب؟ ثالثًا بنتك متربية وزي القمر وماليه عين الكل. سن التربية بيخلص من بدري... من ست سنين لحد أربعة عشر أو خمسة عشر بالكثير. بعد كده الإنسان بيبقى مسؤول عن نفسه. وبنتك عندها سبعة وعشرين سنة، وبعد ثلاث ساعات وثلاث دقايق وسبعة وثلاثين ثانية هيبقى عندها تمانية وعشرين. يعني سن التربية عدى من زمان. وزي ما قلت... هي اللي هتيجي تعيش معايا، مش إنت. قولي يا ختام... موافقة عليا ولا لأ؟» ختام بصت له نظرة طويلة... نظرة واحدة شايفة فيها سجنين، ومحتارة تختار أنهي باب يتقفل عليها. بلعت ريقها، وخدت نفس طويل، وقالت بصوت مهزوز لكنه مسموع: «أنا... موافقة.» 😭😭😭😭😭😭😭😭