بين صمت الالم وظلال الانتقام :رحلة قلب ضائع يبحث عن هدوء قاتل - بقلم بتول الجوهري - مكتملة | روايتك

الفصل الأول لم يكن الحزن يطرق بابه، كان يسكنه. استيقظ ذلك الصباح على ثقلٍ في صدره، ثقلٍ لا يشبه التعب ولا يشبه المرض، بل يشبه الذاكرة حين تستيقظ قبلك. فتح عينيه ببطء، وكأن النظر إلى العالم يحتاج شجاعة إضافية. السقف ذاته، الشقوق ذاتها، وكل شيء في مكانه… إلا هو. نهض من فراشه دون أن يشعر بقدميه. كان جسده يؤدي طقوس الصباح آليًا، بينما عقله عالق في زمنٍ آخر، في لحظةٍ لم تنتهِ رغم مرور السنوات. وقف أمام المرآة طويلًا. الوجه نفسه، لكن العينين لم تعودا له. كانتا غريبتين، مظلمتين، كأنهما تحملان سؤالًا لا جواب له. قال بصوتٍ خافت، موجّهًا حديثه لانعكاسه: «كم مرّة يجب أن ينكسر الإنسان حتى يتوقف عن الشعور؟» لم يجبه أحد. خرج إلى الشارع، والبرد ينهش أطرافه، لكنه لم يشعر به. كان الألم الداخلي أكثر صدقًا من أي طقس. المارّة يضحكون، يتجادلون، يحيّون بعضهم بعضًا… وهو بينهم كظلٍّ بلا صاحب. كان يعرف الآن أن العزلة لا تعني الوحدة، بل أن تكون محاطًا بالناس ولا ينقذك أحد. تذكّر. لم يكن يريد ذلك، لكن الذكريات لا تستأذن. ذلك اليوم… ذلك الصوت… تلك اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء، حين أدرك أن الطعنة جاءت من حيث ظنّ الأمان. قالوا له يومها: «تجاوز الأمر، الماضي انتهى.» ابتسم بمرارة. الماضي لم ينتهِ، الماضي استقرّ فيه، ربّى الحقد في داخله، وعلّمه الصبر. عاد إلى غرفته مع حلول المساء، جلس في العتمة دون أن يشعل الضوء. كان يحب الظلام؛ لأنه لا يطالبه بأن يكون قويًا. في الظلام، يسمح لنفسه أن ينهار دون شهود. أخرج من درجٍ قديم ورقةً مطوية بعناية. قرأها للمرة الألف، وكأن الكلمات ستتغير. كانت أسماء… أسماء يعرفها جيدًا. كل اسمٍ كان سببًا، وكل سببٍ كان جرحًا. همس بصوتٍ ثابت هذه المرة: «لن أنسى. لن أسامح. ولن أرحل قبل أن أعيد لكل واحدٍ منكم ما زرعه.» في تلك اللحظة، لم يعد الحزن مجرد شعور. تحوّل إلى قرار. وتحوّل القرار إلى طريقٍ لا عودة منه. ومن هنا… بدأ كل شيء.