كنتُ أكبر في شوارع دراع الريش بالعَنابة كما يكبر الحديد في النار؛ صلباً حين يجب، حاداً حين يلزم، لكن داخلي كان شيئاً آخر… شيئاً لا يعرفه أحد. كان اسمي—تاج الإسلام—ثقيلاً على رجلٍ في الخامسة عشرة من عمره، ثقيلاً لأنّه كان أكبر من عمري، وأكبر من الظروف التي كان عليّ أن أمرّ بها. كنتُ أدرس الآداب، أهرب من الرياضيات كأنها عدوٌّ قديم، وأرتاح للفيزياء لأنها تمنح الأشياء تفسيراً، حتى لو لم أجد تفسيراً لنفسي. كانت أيامي تتنقّل بين المدرسة، والكيك بوكسينغ، والأرواح التي تمرّ في حياتي وتذهب… وبين كل هذه الطرق، كنتُ أشعر أنني أركض بلا وجهة. كنتُ مغامراً لا يخاف شيئاً… لكن الحقيقة؟ كنت أخاف من شيء واحد: أن يُتركني العالم بلا معنى. قضيتُ وقتاً طويلاً أبحث في نفسي، أحياناً أحس بالحكمة، وأحياناً أضيع في تفاصيل صغيرة. أصدقائي كانوا حولي—عبدو وأيوب—لكن الصراعات التي بداخلي لم يعرفها أحد. كنتُ أكره الخيانة، لأنني رأيتها كثيراً… في العلاقات، في الصداقات، في الوعود التي لا تُنفَّذ. وكلما تعرضت لخيبة، زادت المسافة بيني وبين الناس، حتى صرت أتوقع الأسوأ من الجميع. ومع ذلك… كنتُ أريد أن أُحَب. كنت أريد أن أشعر أن هناك أحداً يقف بجانبي، حتى لو سقطت. وفي يومٍ مظلم، كانت هناك مشكلة حقيقية: شخص يهددني بصور، يتلاعب بالخوف كما يتلاعب الأطفال بالحجارة في الشارع. قدّمت شكوى… لكن لم يعرفه أحد. وكنتُ أنظر إلى هاتفي كل ليلة وأنا أشعر أن العالم يريد أن يختبر قوتي قبل أن أكبر بالفعل. كنت أبحث عن الحلول، وأتوه أكثر… أبحث عن الصلابة، وأزداد هشاشة… أبدو قوياً، وأخفي داخلي صراعاً لا يشبه أحداً. لكن هذا لم يكن أسوأ ما في الأمر… الأسوأ هو أنني كنتُ وحيداً في مواجهة كل ذلك. وأسوأ الوحدات حين تكون محاطاً بالناس. كنت أقول لنفسي كل ليلة: "هل سيأتي يوم أفهم فيه لماذا يحدث كل هذا؟ أم أنني مجرد فصل عابر في كتاب لا يهم أحد؟" لكن القدر لم يكن ساكتاً. كان يكتب لي شيئاً… شيئاً لم أكن أتوقعه. شيئاً سيغيّر كل شيء. لم يكن خذلان الناس أمراً جديداً عليّ… كنت أتعامل معه كما يتعامل المقاتل مع جرح لا يلتئم: يتعايش معه حتى يصبح جزءاً من جلده. لكن ما لم أستطع التعايش معه… هو خذلان الذين يحملون وجهي ودمّي. كنت أظن أن الغريب هو من يؤذي… لكن اكتشفت أن أقرب الناس قد يكونون أول من يكسرك. كنتُ أرى أبي، ذلك الرجل الذي يُفترض أن يكون ظهراً، يتحوّل أمامي إلى ظلّ ثقيل… ظلّ يضرب، ويصرخ، ويرمي النقود على الأرض كما يُرمى شيء لا قيمة له. وكأن المال عنده ليس قيمة… بل إهانة. كنتُ أرى النقود تتناثر، وترى أمي تجمعها من الأرض وهي تسبّني، كأنني أنا السبب في فقر هذا البيت، كأن ذنبي أنني وُجدت بينهم. كنتُ أنظر إليها وهي تلتقط الأوراق النقدية من التراب، وكان قلبي ينكمش من الداخل. ليس لأن المال كان على الأرض… بل لأن كرامتي كانت تُركَل تحت أقدامهم. كنتُ أسمع شتائم أمي، كلمات كانت تثقب صدري أكثر من أي ضربة، كلمات لا تُمحى بسهولة. وتعلمتُ مبكراً أن بعض الجروح لا تأتي من السكاكين… بل من الأفواه التي كان يفترض بها أن تحميك. كنتُ أقف بينهم مثل حجر يراد له أن يصمت دائماً. لا أستطيع أن أصرخ، ولا أن أبكي، ولا أن أشرح أنني لست تلك الصورة التي يرمونها عليّ. وكنت أقول لنفسي في ظلام غرفتي: “لماذا يُختبر قلبي بكل هذا؟ هل أنا ضعيف… أم أنني أقوى مما أظن؟” كبرتُ وأنا أحمل داخلي فكرة واحدة: أن القريب قد يطعنك دون أن يشعر، وأن الحب داخل البيت قد يتحول أحياناً إلى معركة غير عادلة. وكنتُ أسأل نفسي كل يوم: لماذا يخونني من يفترض أن يحميني؟ لماذا أبحث عن حضن في مكان لا يُفتح فيه إلا باب الصراخ؟ كنتُ أعيش بين وجهين: وجه قوي في الشارع والمدرسة، ووجه محطم في البيت، وكنتُ أحاول كل يوم أن أخفي الثاني كي يبقى الأول واقفاً. ومع كل هذا، كنتُ أقاوم. كنتُ أقول: “لن تكون النهاية هنا… حتى لو أرادوا أن يسحقوني.” لم أكن أعلم أن حياتي كانت تستعد لشيء جديد… شيء سيغير طريقة نظري إلى العالم… وإلى نفسي… وإلى معنى أن تجد الضوء بعد ظلام طويل. لم يكن موتاً عادياً. كان موتاً يقطع من روحك جزءاً لا يعود، ويتركك تمشي بعدها بنقص لا يراه أحد… لكن تشعر به في كل خطوة. كنتُ صغيراً حين فقدتُ لؤي و نسرين. صغيراً لدرجة لم أفهم فيها معنى الموت، لكن كبيراً بما يكفي لأحسّ بثقله. لؤي… كان يشبه الضوء الذي يسبق الشمس، ضحكته كانت سريعة، وخطواته كانت تسبق خطواتي كأنه يخاف أن أتعثر. كنت أظنه سيكبر معي… أظنه سيقف بجانبي في كل معاركي. لكن الموت كان أسرع منا. رحل لؤي، ورحلت معه طفولتي. ونسرين… كانت النسمة التي تمرّ في البيت دون أن تزعج أحداً، تحمل الهدوء في صوتها، والحنان في نظرتها. كنت أشعر أن وجودها كان يوازن الفوضى التي حولي. لكنها أيضاً رحلت… رحلت بصمت خافت، وكأنها أرادت أن تبقى جميلة حتى في موتها. يقولون إن الأطفال ينسون… لكنّني لم أنسَ شيئاً. لم أنسَ صمت البيت بعد رحيلهما، لم أنسَ الوجوه التي كانت تبكي بلا صوت، لم أنسَ نظراتي التي كانت تبحث عنهم في زوايا الغرف، ولا وجدتهم. كبرتُ وأنا أحمل اسمي… لكنّني كنتُ في الحقيقة أحمل ظلّين: ظلّ لؤي، وظلّ نسرين. كنتُ أحياناً أسمع ضحكة تشبه ضحكته، فيلتفت قلبي قبل رأسي. كنتُ أرى فتاة في عمر نسرين، فأحسّ بشيء يضغط على صدري. هكذا يعمل الحزن: لا يطلب إذنك، ولا يتركك حين تنشغل. يأتي فجأة، ويقف في منتصف الطريق. وفهمت مبكراً جداً أن ليس كل ألمٍ يُحكى… هناك ألم تحمله مثل ندبة على الروح، لا تراها… لكن تشعر بها مع كل نَفَس. ولعل أكثر ما أوجعني… أن حياتي استمرت دونهم. أن الزمن لم يتوقف مثلما توقفوا. أنني ضحكت بعدهم… طالبتُ نفسي ألف مرة أن أتوقف عن الشعور بالذنب، لكنّ شيئاً في داخلي كان يقول: “نجوتَ… لكن جزءاً منك مات معهم.” ومع كل هذا الحزن الذي كان يمشي معي بدون استئذان، كان هناك شيء غريب: كنتُ أحسّ دائماً أن الله يعوّض، لكنني لم أعرف كيف… ولا متى… ولا بأي شكل.