وقفْتَ وحدك داخل مبنى المدرسة، وكأن العالم تخلّف خلفك وأصبح مرآة مهجورة لما كنت تعرفه. الرائحة — مزيج حاد من غبار الطباشير والحديد — امتلأت في أنفك، وصدى خطواتك عاد إليك أكبر مما تستحق. كل شيء هنا يهمس بأن شيئًا ما انتهى، إلاّ أنّك لم تقبل بعد ذلك الانتهاء. من الطابق الثاني جاء صوت خرير. لم يكن صراخًا إنسانياً، بل ترنّمات غريبة تتلوّى كهواءٍ مسموم بين الصفوف. تقدّمتَ ببطء، اليد مشدودة على عصا مهشمة التقطتها من مكتبة الطالبات. كل بابٍ مررت به كان يعرض قصّة قصيرة: كتاب مبعثر، حذاء واحد في ردهة، آثار أظافر على اللوح. ثم ظهر الظل في نهاية الرّدهة — وجهٌ بلا ملامح، عينان خاليتان تشربان الضوء كما يشرب الرمل الماء. لا خيار أمامك سوى الحركة. ليس هربًا دائماً، بل محاولة لتأجيل المصير. ضربة واحدة إلى الرأس، أو اثنتان، وسمعتَ صدر الزومبي ينهار كالخشب القديم. ولكن ذلك كان صوتًا كافياً لجذب قادمٍ جديد. خطوات أخرى، أكثر من خطوة. جموعٌ من أصواتٍ محجنة تملأ الجدران. قلبك يدق كطبلة حرب، لكنك لم تفقد هدوءك. تعلمت كيف يختبئ من يتعلم القتال. رأيت النافذة. كانت صغيرة، لكنها فتحت أمامك طريقاً إلى السماء الصافية التي بدت الآن عدوّاً وحيداً لك، وعدة أملاً. قفزتَ منها بخفة — ليس لأنك شجاع، بل لأن الشجاعة أحيانًا تكون مجرد حساب لحظة الفرصة. هبطت على سطحٍ مغطى بزجاجٍ متكسّر، قلبك يعلو ثم ينخفض كما لو أنك ترن معلّقًا على حافة الوقت. خلف إحدى السيارات المهشمة توقفت، تلتقط الأنفاس، تجمع مواد: حجارة، شظايا زجاج. الصمت كان مسرحك لتخطيط فخّ صغير. لم تكن بحاجة إلى سلاحٍ متقن، بل إلى فكرةٍ بسيطة: جعل الطريق عديم التوازن لمن يتبعه. رميتُ حجارة بعيدًا، فبدت كنداءٍ بلا شفقة. ثم رتبت شظايا كشبكةٍ تختبئ تحتها خطواتهم. عندما اهتزّت أول قدمٍ زومبية على الفخ، سقط كما لو أن الزمن نفسه تعثر — وبهذا التعثر جاء صخب كافٍ ليغطي على هروبه المؤقت. ركضتَ نحو البوابة الخلفية كأنها وعدُ الحرية الوحيد. الشارع الرئيسي عند نهايتها كان مضاءً بضوءٍ هادئ، غريب للسلام بعد ليلٍ كهذا. وصلته، توقفت للحظة، لاستنشاق الهواء البارد، وتسمع زحفًا جديدًا من الأزقة — كأن المدينة لم تكتمل بعد. لم تكن النهاية هناك، ولا كانت البداية كذلك. ما حصل كان تمرينًا على البقاء: لحظة ذكية تقلب المشهد، فخّ بسيط يحول الجموع إلى تلاميذٍ سقطوا في درسٍ وحشي. لكنك الآن تحملت فعلَ البقاء. في يدك عصاٌ مهشمة، في حقيبتك بقايا خطةٍ، وفي صدرك شجاعةٌ لا تحتاج تعريفًا. المشهد يغلق عليك ولم يغلق بعد؛ الزحوف قادمة، والليل يبتسم بابتسامةٍ طويلة لا يفهمها إلا من قرأها في ملامح المدينة الممزقة. تمشي بعيدًا تحت ضوء الشارع، والدم على حذائك لا يبدو كدليلٍ على هزيمة، بل كتوقيعٍ على قرارٍ اتخذته للتو: أن لا تموت كالآخرين — أو أن تموت وأنت تقاتل لتبقى إنسانًا حتى النهاية