_*روايـة نون دائـࢪه🍫🎀🪄۩٠٠))*_ . ••••••••••••••••••••••••••••• الجزء 1: إلى متى ستظل العدالة غافلة عنهم، مرتدية نظارات سوداء تمنعها رؤية الحقيقة، و المظلوم ضعيف مغلوب على أمره، يرضخ ولا يجد سند له، مجبر على تقبل الظلم يعثون فى الارض فسادًا ووحده المظلوم من يدفع الثمن، متى تنقرض تلك النماذج من مجتمعنا، ليأتي اليوم الذي تتحقق فيه العدالة، و أقصد هنا العدالة الحقيقية التى تنصر المظلوم وتعاقب الظالم دون النظر لأي اعتبارات أخرى، دون وساطة، دون محسوبية. نون " هكذا أنهت مقالها، لاتعرف عدده فقد أرهقها العد، كثيرًا ما كتبت عن الفساد الذى تفشى فى المجتمع، ولكن دون فائدة، دائما ما تصل إلى نفس النتيجة، من له سلطة ونفوذ دائمًا هو الرابح ولا يهم إن كان هو الظالم أم المظلوم، فالعدالة عمياء بل إنها أصبحت دمية يتلاعب بها ذوي السلطات زفرت بقوة تفكر فى مصير مقالها، هل سيقبل به رئيسها أم سينهرها خوفًا عليها كما يدَّعى، يكمن ضيقها فى أنها رضخت لرغبته الأخيرة بعدم التصريح بأسماء من تُهاجمهم ويكفى أن تُشير إليهم من بعيد، مجرد رموز و هم عليهم الفهم عملًا بمقولة "اللي على راسه بطحة" ولكنهم يتصنعون البلاهة حتى لا يُكشف أمرهم وهنا لا يضيع سوى حق المظلوم، ويا للسخرية فهى أيضا تتخفى بقلمها مُختصرة توقيعها " نون"، أهو رضوخًا لرغبة والديها لخوفهم عليها أم أنها تخشى هى أيضًا، ولكن ما الذى تخشاه.. فقدان عملها أم فقدان حياتها؟ نفضت كل تلك الأفكار عن رأسها، ما يهم الآن هو سعيها لنُصرة الضعيف والسعى جاهدة لتحقيق العدالة، ويوما ما تُعلنها صراحة للجميع ( قلم نيرة نصار لا يخشى أحد) طرقت الباب ودلفت إلى داخل غرفة مكتبه تقابلها نظراته المختلطة ما بين ترقب وخوف، خوفه عليها والذي تراه لا داعي له أم خوفه على مستقبل جريدته، ألقت التحية : صباح الخير يا ريس ليردها بفتور المعتاد على الأمر : صباح النور يا نيرة ناولته المقال راجية ربها أن يقبله كما هو دون أن يُطالبها بأي تعديلات، تناوله منها مُتفحصًا إياه ليهز رأسه علامة رضا ولكنه ليس الرضا السامى، ليرفع رأسه إليها يُعلن ما يدور برأسه : انتى مذكرتيش أسماء فعلا بس واضح جدا مين المقصود بكلامك أتنفجر به الآن أم تترك هذا الحل للنهاية، حاولت تهدئة انفعالاتها لتجيبه : يا فندم أنا نفذت رغبة حضرتك إني أحذف الأسماء، بس حضرتك كده بتلمح انى أحذف المقال من الأساس، ومش هقدر اعمل كده لانى مش هقدر اكتب غير اللى مقتنعة ومؤمنة به، وعمرى ما هتحيز لأي رمز فساد في البلد قاطعها قائلا : أنا مقلتش تتحيزى، انا بقول بلاش اندفاع الشباب، دا خوف عليكى إشتد بها الغضب ليأتى دورها لتقاطعه : حضرتك أنا مسئولة عن نفسي ومش خايفة لانى واخدة صف الحق، لكن لو حضرتك خايف يبقى أنا ممكن أقدم استقالتي واشوف اى جريدة تانية انشر فيها بحرية ومن غير خوف ألقت ما يجيش به صدرها دفعة واحدة دون اعتبار لأى شئ، لم تنتبه إلى تماديها سوى عندما لاحظت الشرر يتطاير من عينيه مع خبطة يديه بعنف على المكتب أمامه ناهرًا إياها : الزمى حدودك يا نيرة واعرفى انك بتكلمى رئيسك الآن أدركت تسرعها، وتعترف أنها تمادت و تخطت حدودها، وكما تُحتم عليها أخلاقها فلابد من الاعتذار، هدأت نبرة صوتها معتذرة له : أنا آسفة يا أستاذ أحمد، أنا فعلا اتماديت، أنا كل هدفي اننا نقضى على الفساد في البلد لأنه انتشر عشان مفيش حد يقف قصاده، بس الظاهر اني نسيت إنه زى السرطان بيتملك من الجسم لحد ما يقضي عليه، عن اذنك توجهت إلى المكتب لتأخذ مقالها لتلقي به فى سلة المهملات كما يفعل الفاسدين بالأخلاق، لكن أوقفها صوته وقد بدأ يستعيد بعضًا من هدوءه : سيبى المقال يا نيرة واقعدي عايز أتكلم معاكى شويه رضخت لرغبته فهى لم يعد لديها رغبة فى اثارة المشاكل اليوم، تحولت نبرته إلى نبرة أب حنون يخشى على أحد ابنائه : انتى بتفكرينى بنفسى زمان، كانت روح الشباب مسيطرة عليا، حاربت و اتحاربت وفى الاخر اتهزمت لأنى كنت بحارب لوحدى، موصلتش لمكانى بسهولة، اتهاجمت كتير، اتهددت واتعرضت لمحاولات قتل، شفت خوف اهلى ومراتي عليا، وشفت خوفي عليهم لو جرالي حاجة وسبتهم شعرت بما يعتمل داخله من حزن وخوف، ارادت أن تواسيه ولكنه قطع عليها المحاولة مُستكملا حديثه : أنا بقولك كده عشان لازم تعرفى إن كل اللى بتحبيهم هما نقطة ضعفك اللى أعداءك هيحاربوكى بيها، عشان كده قلتلك خلي كلامك مستتر مش صريح، واللى على راسه بطحة هيتعرف ويقع لوحده لما يحسس عليها، أنا دلوقتى بكلمك كأب خايف عليكى مش رئيس جريدة خايف على نفسه أو على جريدته، والمقال هيتنشر زى ما انتى كتباه، و مصيرك وحياتك فى ايدك انتى تهورها تحول لغباء، صبت جام غضبها على الشخص الخطأ، يسدى إليها نصيحة خوفا عليها هى من اتهمته بخوفه على مصلحته، شعرت بالحرج ونظرت إلى يديها التى تشابكت أصابعها معتذرة مرة أخرى : أنا أسفة عاللى حصل منى يا فندم، ووعد هعمل بكلام حضرتك فى مقالاتي الجاية ظل كلام رئيسها يتردد صداه بعقلها طوال طريق عودتها للمنزل، واضعة والديها نصب أعينها وخوفهما الدائم عليها، والدتها دائما ساخطة من إلتحاقها بمجال الصحافة خاصة عندما بدأت تكتب فى قضايا المجتمع والفساد الذى تفشى به وتحاول إقناعها بالتوجه إلى الكتابة بمجال الفن وإن لزم الأمر فالمطبخ لا ضرر به، أما والدها فهو بين شقي الرحى، يحثها على التمسك بالأخلاقيات وفى ذات الوقت يحذرها خوفًا عليها نفضت تلك الافكار من رأسها كما اعتادت بمجرد أن أخرجت مفاتيحها لتدلف إلى منزلها، تقابلها ابتسامة والدتها التى تصل ما بين أذنيها، تلك الابتسامة التى لا تظهر سوى فى وقت واحد، لم تكد الفكرة تصل إلى عقلها حتى صرحت بها والدتها : كويس إنك جيتى بدرى عشان تلحقى تجهزي نفسك بعد هذه الجملة تأكدت لها شكوكها، أرادت الهرب توجهت إلى غرفتها وتعللت بأنها مرهقة وتريد النوم ولكن والدتها قطعت عليها كل السبل : بصى المرة دى مش هتعرفى تهربى، هتقابلى العريس يعنى هتقابليه استدارت إلى والدتها محاولة تهدئة نفسها حتى لا تفقد السيطرة على نفسها كما فعلت اليوم أمام رئيسها : يا ماما انتى ليه مش عايزة تفهمينى، انا مش بفكر فى الجواز لتصرخ بها والدتها غاضبة : و هتفكرى فيه إمتى إن شاء الله! انتى مش واخدة بالك انك قربتى على 30 سنة، ولا تكونى نسيتى إنك مطلقة ومش كل يوم والتانى هيجيلك عريس : كفاية يا ايمان صرخ بها زوجها عندما لاحظ أن غضبها جعلها تُصرح بما ستندم عليه لاحقا لأنها لا تدرك الان مدى جرحها لابنتها نظرة منه إليها كانت كفيلة ليرى احتقان وجهها والدموع تتلألأ في عينيها فخاطبها بلين قائلا : ادخلى ارتاحى انتى يا نيرة، وأنا هعتذر للراجل وابلغه الرفض كأنها كانت بانتظار كلمات والدها لتهرول الى غرفتها وما أن اغلقت بابها حتى انفجرت دموعها التي كانت تكبتها منذ قليل، إذا كان هذا هو تفكير والدتها، فكيف ينظر إليها الآخرون و بالخارج كان والدها يوبخ زوجته عما بدر منها، ولكنها لغضبها من نفسها عما تلفظت به من كلمات كانت سبب فى جرح لابنتها آثرت الاختلاء بنفسها فذهبت إلى حجرتها هى الأخرى ****************************** وقفت أمام المرآة، تعيد تجربة ثوب زفافها مرة أخرى، ذلك الثوب الأبيض الذى يضيق من الصدر وينزل يلف حنايا جسدها ليبدأ بالاتساع قليلا بداية من ركبتيها، قماش من الستان ذو أكمام طويلة وتتبعثر عليه بعض الورود الصغيرة لتعطيه مظهر كلاسيكى هادئ كانت تتلفت حولها لتتأكد من أنه لا يوجد خطأ به، نادت على والدتها لتأخذ برأيها أتتها والدتها ضاحكة : دى المرة الكام كده ؟ ارحمي نفسك يا ندى أجابتها (ندى) بعبوس مزيف : ماشي يا ماما، انتي مش مقدرة القلق اللي أنا فيه، الفرح بعد اسبوعين و خايفة اتخن وأتفاجئ يوم الفرح إن الفستان ضيق عليا احتضنتها والدتها قائلة : خلاص متزعليش انا بهزر معاكي، وبعدين هتتخني إزاي هو انتي بتاكلي من الأساس توترت (ندى) : خايفة يا ماما وقلقانة وكل ما الفرح يقرب بحس بتوتر أكتر هدأتها والدتها : اى عروسة بتبقى كده، خليكى انتى هادية واتغذى كويس ونامى كويس عشان يبقى وشك منور يوم الفرح قاطع حديثهم رنين هاتف ندي ونظرة واحدة إلى شاشته كانت كفيلة برسم الابتسامة على وجهها، فشاكستها والدتها : أظن دلوقتي أطلع بره وأخد الباب ورايا قبَّلت وجنة والدتها و انتظرت رحيلها من الغرفة ثم أجابت الإتصال : السلام عليكم سمعت رد خطيبها من الطرف الأخر : وعليكم السلام، ازيك يا ندى، أخبارك إيه ؟ ندى : الحمد لله لاحظت نبرة التوتر بصوته وتردده في الحديث فسألته : طارق، انت كويس، صوتك متغير استجمع شجاعته وأخبرها : بصراحة فيه موضوع عايز أكلمك فيه بقالي فترة، إيه رأيك نتقابل ؟ اجابته بتوجس : تمام، نتقابل بكره (طارق) : خلاص هعدي عليكي بكره ع الساعة 7 إن شاء الله أغلقت الهاتف وجلست تفكر في الموضوع الذي يجعله بهذا التوتر، ثم نفضت عنها أفكارها وقامت بتغيير ملابسها ********************************* اليوم هو يوم التجمع العائلي بمنزل والديها، تقف بالمطبخ برفقة والدتها لإنهاء تحضير الغداء قبل عودة أزواجهن من أعمالهم وقفلت (نور) تتذوق المكرونة البشاميل التى أعدتها خصيصا لزوجها لحبه الشديد لها من يدها، تناهى إلى مسامعها صوت رنين هاتفها فذهبت لتجيب واتسعت ابتسامتها لرؤية رقم زوجها يضئ شاشته، فأجابته بمرحها المعتاد : كالعادة بتتصل عشان تقولى وحشتينى وأنا أقولك انت وحشتنى اكتر تلاشت ابتسامتها واختفى مرحها عندما تسرب إلى أذنيها صوت آخر غير صوت زوجها : حضرتك مدام أدم عبدالحميد ؟ اجابته بتوجس وخوف : ايوه لتأتيها الضربة القاضية : البقاء لله الجزء 2: ألقت (نيرة) هاتفها من يدها بحنق، فها هي تحاول الإتصال بصديقتها للمرة الخامسة ولكنها لا تجيب وتعلم أنها إذا حاولت الإتصال بصديقتها الأخرى ستنال توبيخًا هى فى غنى عنه الآن، وعندما حاولت الاتصال بالصديقة الثالثة، وجدت نفسها على قائمة الانتظار انتبهت إلى صوت طرقات بباب غرفتها متبوعة بصوت والدها يستأذنها فى الدخول، فتحت الباب مستقبلة إياه بإبتسامة باهتة : اتفضل يا بابا دخل وجلس على طرف الفراش طالبًا منها أن تجلس قبالته وتستمع إليه، تعلم أنه سيبدأ فى تبرير موقف والدتها ويحاول التخفيف من حزنها وامتصاص غضبها ربت على كتفها : متزعليش من ماما، هى خايفة عليكى ونفسها تطمن عليكي التمعت الدموع بعينيها واختنق صوتها : بس مش ذنبى، مش ذنبى انى اتجوزت واحد وطلقني بعد كام شهر، مش ذنبى إن كل واحد يتقدملى يبقى عايز يلغي شخصيتي ويخلينى اسيب شغلى اللى بحبه، مش ذنبى انى شفت نماذج كتير تكرهنى فى الجواز واشتد شعورها بالاختناق وهى تُكمل محاولة كبت دموعها : أنا فاهمة خوف ماما عليا، بس هى بقت قاصدة تجرحنى متخيلة إنها بكده هتقدر تجبرنى على الجواز لمجرد انى اريحها واتعب أنا بعدين عشان مش قادرة ألاقى راحتى، يا بابا أنا مش هكرر تجربة الجواز تانى غير لما الاقى الراجل اللى اقدر استغنى عن كل حاجة عشانه، الراجل اللى أحس معاه بالأمان ويبقى هو كل دنيتي، مش هتجوز اى حد لمجرد إن ماما عايزانى اتجوز احتضنها والدها مربتا على ظهرها : طيب اهدى بس كده حاول ممازحتها : طب هتلاقى الراجل دا إزاى يا أستاذة وانتى بقيتى رافضة تقابلى أى عريس ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيها وهى تجيبه : لما ماما تبطل تقول لهم يفرضو شرط عدم شغلى هقابل صاحب النصيب كان نصيبها قرصة بسيطة فى وجنتيها من والدها : بلاش تظنى فيها سوء، هى هتقول لهم كده ليه! اجابته بمرح : يا بابا دا أنا بقيت فاهمة ماما اكتر من نفسى، دا كلهم عندهم نفس الشرط الوحيد انى اسيب شغلى سألها : يعنى لو العريس موافق انك تشتغلى هتقابليه ؟ فأجابته حزينة : وليد كان موافق انى اشتغل يا بابا، ومع ذلك مقدرناش نكمل مع بعض الآن أصبح يفهم ما بداخلها من خوف وقلق، فهي لا تريد مجرد زوج ولكنها تريد الأمان، تريده الأب والأخ والحبيب والصديق، تريده كل دنياها قبَّل جبينها وتركها واعدًا إياها بأن يتحدث مع والدتها بأن تتركها وشأنها حتى يأتى إليها من يستحقها حقًا بعد أن رحل والدها، توجهت إلى خزانتها وأخرجت منها ورقة مطوية، يعلوها " قسيمة طلاق" ، مؤرخة بعنوان قارب على العامين، شردت إلى وقتها، استعادت الذكرى المؤلمة حتى وإن كانت هى رغبتها ولكنها تشعر بمرارتها، ضاق صدرها بالحياة معه، فقد كان يعاملها كقطعة أثاث بمنزله، كان بخيل وإن كان البخل المادي فقد كانت ستتحمله أما بخل المشاعر فلم تعد تطيقه، وعندما تحدثت معه كان نصيبها الإهانة التى وصلت حد الضرب، وفجأة يحاول الاعتذار، رفضت وأصرت على طلبها وخاصة بعد ما علمته عنه، فهو التائب العائد إلى ذنبه، نزيل إحدى مصحات علاج الإدمان، وها هو قد يعود إليها، كذب وخدع، هو المذنب وهي الضحية، هو المخادع وهي من دفعت الثمن بحصولها على لقب مُطلقة بعد زواج دام لستة أشهر فقط نفضت عنها الذكريات والتقطت هاتفها لتحاول الإتصال بصديقتها مرة أخرى وهذه المرة أجابت، لتسارع فى توبيخها : إيه يا زفته سنة عشان تردى ابتلعت بقية كلماتها عندما تهادى إليها صوت والدة صديقتها الباكي تخبرها بالخبر الصادم : أدم اتوفى يا نيرة لم تصدق (نيرة) ما سمعته، فكانت صدمة لها، فقد كان يعامل صديقات زوجته كأخ أكبر لهم، سألتها مندهشة : حصل إمتى وازاى يا طنط ؟ أجابتها من وسط بكائها : النهارده وهو راجع من الشغل عمل حادثة بالعربية فسارعت فى سؤالها : انتو فين دلوقتى يا طنط ؟ أجابتها والدة صديقتها : إحنا فى البيت، نور كانت منهارة ويادوب الدكتور عاطيها حقنة تهديها ونامت وبعد أن استمعت إلى الإجابة أخبرتها بأنها ستتوجه إليهم فى الحال سارعت فى ارتداء ملابسها بينما تجري اتصالًا هاتفيًا آخر ليصل إليها صوت صديقتها الذى يشوبه النعاس تصب عليها لعناتها لايقاظها من نومها : حرام عليكى يا نيرة أنا لسه راجعة من نبطشية وعايزة أنام لتقاطعها قائلة : أدم جوز نور اتوفى يا نسمة، اجهزي بسرعة هعدى عليكى ونروح لها قفزت (نسمة) من فراشها غير مُصدقة ما سمعته للتو من صديقتها : انتى بتقولى إيه! أنا هجهز حالا وأستناكى لتسارع هى الأخرى بارتداء ملابسها ********************** كان يجلس (كمال) بصحبة زوجته (إيمان) بغرفة المعيشة، يعاتبها عما بدر منها من كلمات قاسية تجاه ابنتها، بدى عليها حزنها وهى تبرر موقفها : خايفة عليها يا كمال ونفسى ابقى مطمنة وهى فى بيت راجل يخاف عليها ويحميها ليرد قائلا : يبقى تسيبيها هى تختار الراجل دا بإرادتها عشان متكررش تجربة فاشلة تاني قطع عليهم حديثهم اندفاعها من غرفتها مُرتدية ملابس سوداء تعجبت والدتها من مظهرها فسألتها : انتى رايحة فين كده ولابسة أسود في أسود ليه؟ أجابتها (نيرة) بحزن : أدم جوز نور عمل حادثة بالعربية واتوفى ظهر الحزن على ملامح والديها، فقد صادفاه في بعض المواقف ويعلمون كم كان شاب مهذب وخلوق (نيرة) : أنا بستأذنكم هفضل مع نور الليلة، مش هينفع اسيبها لوحدها فسارعت والدتها قائلة : ايوه طبعا خليكى جنبها، ربنا يرحمه زينة الشباب، و يارب يصبرها هى وبنتها غادرت متوجهة إلى منزل (نسمة) ليذهبا معًا لمواساة صديقتهم، وفي طريقها رن هاتفها برقم صديقتها (ندى) ، أجابتها بحزن : ايوه يا ندى (ندى) : كنت بكلم طارق، مال صوتك ؟ أجابتها (نيرة) بحزن : أدم جوز نور اتوفى، أنا هعدي علي نسمة ونروحلها (ندى) بحزن : لا حول ولا قوة إلا بالله، الله يرحمه، أنا هسبقكم على هناك ************************* تكدس المنزل بالنساء المتشحات بالسواد، صوت القرآن يعلو، وتجلس هى بين صديقاتها عينيها منتفخة من كثرة البكاء، لا تدري بم حولها، هي في عالم آخر، فقد فقدت زوجها وحبيب عمرها، كانت لم تكتفِ منه بعد، عاشا معًا ما يقارب الثلاثة اعوام فقط، لم يعرف فيهم الحزن طريقًا إليها، كان سببا دائما فى سعادتها و مرحها ورسم الابتسامة على وجهها، كان الشمعة التى تنير حياتها، والان انطفأت، رحل وتركها لبداية أحزانها تاركًا طفلته التى يفصلها عن إتمام عامها الثاني أربعة أشهر، وعندما وصلت بتفكيرها إلى طفلتها التى فقدت والدها قبل أن تحين لها الفرصة أن تنطق باسمه ازداد بكاؤها وفى نفس اللحظة تهادى إليهم صوت بكاء الصغيرة يعلو من غرفتها معلنًا استيقاظها من نومها، كأن كل واحدة تعلم ما يدور بمكنون الأخرى، فكلتاهما تعاني من الفقد أخذت (نسمة) صديقتها بين أحضانها محاولة تهدئتها بينما توجهت (نيرة) إلى غرفة الصغيرة لتطمئنها بوجودهم بجوارها وبعد رحيل جميع النساء، ظللن بجوارها يجبرنها على تناول بعض الطعام حتى تستطيع أن تقف على قدميها من أجل طفلتها، كانت تنفذ طلباتهم بآلية كأنها جسد لا روح فيه، بعدما إنتهت من طعامها اصطحبت طفلتها إلى غرفتها محتضنة إياها تستمد منها الأمان الذي افتقدته بوفاته، دموعها تجري أنهارًا على وجنتيها، لا تستطيع استيعاب ما تمر به إلى الآن ، تفكر فيما تخبئه لها الأيام ****************** جلس (طارق) برفقة صديقه (هاني) بأحد المقاهي، يبدو على ملامحه الشرود، لقد كان غارقًا بتفكيره فيم ينوي التحدث مع (ندى) بشأنه، انتشله صوت صديقه من تفكيره : إيه يا بنى، سرحان فى إيه كده ؟ أجابه (طارق) بشرود : أبدا مفيش سأله (هاني) : إنت اتكلمت مع ندى ؟ زفر (طارق) مجيبا إياه : لسه، جوز صاحبتها اتوفى، وطبعا راحت لصاحبتها ومعرفناش نتقابل (هاني) : طب كويس، كده قدامك فرصة عشان تفكر تانى وتراجع نفسك صرخ به (طارق) : أنا خلاص قررت، ومش هرجع في كلامي، أنا هفاتح ندى فى الموضوع وهى ليها حرية الاختيار بدا الغضب جليا بصوت (هاني) : بس إنت كده تبقى بتظلمها شرد (طارق) قليلًا يفكر بكلامه ولكنه سرعان ما أجابه : لا طبعا، أنا كده بخيرها، يعنى مش هجبرها على وضع معين تنهد (هاني) فهو يعلم أنه لا فائدة من الكلام معه : عالعموم براحتك يا صاحبي، وياريت مترجعش تندم على قرارك رحل (هاني) وترك (طارق) غارقًا بتفكيره ولكنه ظل يقنع نفسه بأن ما سيفعله هو الصواب **************************** تعالى رنين هاتفها فسارعت إلى إغلاق صوته حتى لا يزعج من ظننتهم غارقات في النوم بجوارها، أجابت بصوت هادئ تلك الممرضة التى تطالبها بسرعة حضورها إلى المشفى لحاجتهم إليها بغرفة العمليات. بدلت ملابسها وبربتة بسيطة على ذراع صديقتها (نيرة) ، ارادت اعلامها بضرورة رحيلها : نيرة، أنا لازم أروح المستشفى، كلمونى ومحتاجينى فى العمليات لتجيب الأخرى سريعًا دليل استيقاظها : ماشى يا نسمة، روحي انتي شغلك يا حبيبتى، وأنا هفضل هنا مع نور أنا وندى و هاخد اجازة من الشغل نظرت (نيرة) الى هاتفها فوجدت الساعة تخطت الثانية صباحًا بثمان دقائق فخاطبت صديقتها التي كانت تهم بفتح الباب : خدى بالك من نفسك يا نسمة اهدتها ابتسامة طفيفة وتوجهت إلى عملها ************************ كانت تقف وحيدة، يحيطها السكون المخيف، أكثر ما تكرهه بعملها هو اضطرارها إلى الخروج في أوقات لا تناسب كثيرا ما كانت تطلب من والدها اصطحابها ولكن إن اتصلت به الآن ليأتى لإيصالها ستتأخر على عملها تعالى رنين هاتفها مرة أخرى فأجابته : ايوه يا أمل جاية فى الطريق فقد كانت هذه الممرضة تؤكد عليها ضرورة حضورها انتظرت مرور سيارة أجرة وعندما فقدت الأمل قررت أن تسير لأول الشارع علها تجد مبتغاها سريعًا كانت تتلفت حولها خائفة من السكون الذي يلفها ولكنها كانت غافلة عن من لمحها وترصدها، لتشعر فجأة بمن يكتفها ويكمم فمها لتغيب عن الوعي دون إرادة منها الجزء 3: استيقظت (نور) فزعة من نومها، رأته بأحلامها يذهب بعيدًا يؤكد لها أنها لن تراه ثانية، وجدت الدموع طريقها إلى عينيها مرة أخرى وأيقنت أن هذا هو حالها، فمن اليوم لن تحظى بنوم هانئ، طبعت قبلة رقيقة على وجنة صغيرتها التى تحط فى سبات عميق بجوارها، تركت فراشها وقامت لتتوضأ لتركع بين يدي ربها، تتضرع إلى الله أن يربط على قلبها ويلهمها الصبر والسلوان خرجت من غرفتها لتجد صديقتها (نيرة) تجلس على الأريكة، تمسك بهاتفها وكأنها تحاول الاتصال بشخص ما، هزة قدميها المتوترة و لعناتها التي تصبها بصوت خفيض ومظهرها القلق أنبأها بأن هناك كارثة تلوح في الأفق، اقتربت منها ملقية عليها تحية الصباح : صباح الخير انتفضت (نيرة) عندما سمعت صوتها واقتربت منها تطمئن عليها : صباح الخير يا نور، عاملة إيه دلوقتي؟ تنهدت (نور) وخرج صوتها حزينا : هعمل إيه! خلاص هحاول أتأقلم على حياتى من غيره ربتت (نيرة) على كتفها، وحينها لاحظت (نور) ارتعاشة كف يديها التى تصاحبها عند شعورها بالقلق، فسألتها : ندى ونسمة فين ؟ (نيرة) بتوتر : نزلو على شغلهم، معرفوش ياخدو أجازة (نور) بتعجب : مالك يا نيرة؟ أنا حاسة إنك قلقانة ومتوترة، هو في إيه بالظبط ؟ ارتبكت (نيرة) ، فبم ستجيبها، يكفى ما هى به الآن، وأمام إصرار صديقتها صرحت بها : نسمة مختفية، خرجت الساعة 2، طلبوها فى المستشفى بس موصلتش و تليفونها مقفول، مامتها وباباها هيموتو من القلق عليها لم تكد تنهى جملتها حتى صدح رنين هاتفها برقم والدة (نسمة) ، أجابتها سريعا : إيه الأخبار يا طنط؟ ظهرت ؟ لتتسع عينيها وتشهق واضعة كف يدها على فمها، فما سمعته كان الصدمة و الجالسة بجوارها تأكدت بأن الكارثة قد حلت ******************************** كانت (ندى) منهمكة بعملها بصيدلية المشفى التي تعمل بها حينما أتاها اتصال من (طارق) ، التقطت هاتفها وأجابته : السلام عليكم (طارق) : وعليكم السلام، انتي في الشغل ؟ (ندى) بحزن : ايوه، بس ماشية دلوقتي، أنا أصلا كنت جاية أخد أجازة يومين عشان أفضل مع نور قاطعها (طارق) : أنا قدام المستشفى، عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم ومينفعش يتأجل أكتر من كده تعجبت (ندى) من أمره، فهى تشعر بتغيره منذ يومين، وتساءلت عن الأمر الهام الذي يود التحدث إليها بشأنه، وبعد مرور نصف ساعة كانت تجلس بجواره بالسيارة التي انطلق بها فور صعودها إليها غلفهم الصمت لفترة حتى قطعت (ندى) ذلك الصمت قائلة : مالك يا طارق ؟ إيه الموضوع المهم اللي عايزني فيه ؟ أجابها (طارق) دون النظر إليها : هنشوف مكان نقعد فيه ونتكلم براحتنا اعتذرت (ندى) منه قائلة : معلش يا طارق مش هينفع، أنا عايزة أروح لنور وكمان لسه هعدي على البيت الأول أوقف (طارق) سيارته بجانب الطريق، زفر بضيق وظهر التوتر جليًا بملامحه : أنا عايزك تسمعيني للآخر وبعد كده أنا تحت أمرك في اللي تطلبيه ارتبك صوته أكثر : أنا كنت بحب واحدة جارتي، اتقدمتلها زمان واترفضت، بعدين هي اتجوزت وخلفت وعاشت حياتها، وبعدين قابلتك وأُعجبت بشخصيتك واتخطبنا نظرت إليه (ندى) بعدم فهم : انت بتحكيلي دا ليه دلوقتي ؟ نظر إليها طويلا قبل أن يخبرها : البنت دي فيه مشاكل بينها وبين جوزها وماشيين في إجراءات طلاق. أنا روحتلها وعرضت عليها نتجوز بعد شهور العدة وهي و أهلها موافقين اتسعت عينيها وفغرت فاها، شعرت بالصدمة من حديثه، هل تُراه يمازحها، ولكن ملامحه توحي بالجدية ولا تدل على أنه يمزح معها تلعثمت في الحديث : أنا… إنت…. إنت أكيد بتهزر صح ؟ هز رأسه نفياً : لا، أنا دلوقتي جايلك عشان نشوف هنعمل إيه في حياتنا اللى جاية مع بعض نظرت إليه بغضب وحدثته مستنكرة : حياتنا!!!! هو انت خليت فيها حياتنا؟ جاي تقولي إنك خطبت وتقولي حياتنا، انت مدرك إنت بتقول إيه؟ إحنا المفروض فرحنا بعد عشر أيام وإنت جاي تقولي أنا خطبت وبعدين تقولي حياتنا!!! قاطعها (طارق) محاولًا تهدئتها : أرجوكي يا ندى اهدي ولازم نقرر هنعمل ايه صرخت به قائلة : انت مجنون!! هو إيه اللي نقرره!! إنت أكيد مش في وعيك تجاهل نوبة غضبها وصراخها وأكمل حديثه وكأنه لا يسمعها : أنا هعرض عليكي الحلول اللي قدرت أوصل لها وانتي اختاري اللي يريحك. الحل الأول اننا نكمل حياتنا عادي وإنتي عارفة بوجودها كزوجة تانية، والحل التاني اننا نتمم الجوازة وبعد كام شهر نتطلق، أو حتى ممكن نأجل ونقول إنك أجلتى الفرح عشان خاطر صاحبتك لأنه مينفعش نفركش الجوازة فى التوقيت دا عشان كلام الناس انتابتها نوبة ضحك هستيرية، تساقطت دموعها على وجنتيها، لا تعلم إن كانت من كثرة الضحك أم من بكائها، وكان هو ينظر إليها ولا يقو على الحديث، فكلامه لها هو من أوصلها لهذه الحالة أخيرا سيطرت على نفسها وأخبرته متهكمة : كلام الناس! لا بصراحة كتر خيرك خايف عليا من كلام الناس ، هو إنت مفكر إني موافقة على أي حل أهبل من اللي قلته دا انتزعت حلقتها الذهبية من إصبعها وألقتها بوجهه قائلة : مش عايزة اشوف وشك تاني ثم ترجلت من السيارة وتابع هو رحيلها دون حراك *********************************** انتهاك روحها لم يكن بالأمر اليسير وكل شئ حدث بطرفة عين يد تطوق خصرها والأخرى تكمم فمها تمنعها الصراخ وتُذهب عقلها في شبه إغماءة لتجد نفسها داخل سيارته، لم يتسنى لها طلب المساعدة من اى شخص ولكن من كان سينقذها في الطريق الخالي من المارة فى هذا التوقيت، تعلم أن محاولتها كانت ستبوء بالفشل ولكن يكفيها شرف المحاولة مظهره يدل على تغيب عقله، فربما كان تحت تأثير مخدر ما، ملابسه غير مهندمة نوعا ما، يفتح أزرار قميصه العلوية، وظل يتلفت حوله ليتأكد من عدم رؤية أحد له، انطلق بسيارته وبين الحين والآخر ينظر للجالسة بجواره غائبة عن الوعى نظرات شهوانية توضح ما ينوي فعله بها وبكل صفاقة أيقظها ليتلذذ بعذابها وهو يقتلها على قيد الحياة، فلم يكتفى بما سيفعله بها ولكنه زاد عذابها الضعفين، يجعلها تعايش تلك اللحظات المميتة بحياتها ليقوم بسحبها من سيارته المصطفة على الطريق الصحراوي؛ حيث اختار مكان لن يمنعه فيه أحد عن فعلته، لم تشفع لها صرخاتها و توسلاتها، ولم يثنيه شيء عما انتوى فعله تركها بعدما انهى فعلته الدنيئة يهرول مسرعًا بسيارته قبل أن يراه أحد مخلفاً ضحيته تعانى آلامها بمفردها داعية الله أن يرسل إليها من ينقذها ولكن بما يفيدها الإنقاذ بعد ما حدث لها، ففى تلك الحالة الموت هو أهون علاج كانت تشعر بالخزي والضعف، لا تقوى على النهوض، كلما حاولت أن تقف على قدميها تسقط مرة اخرى، كانت تحاول ستر جسدها ولكن ملابسها الممزقة منعتها، صرخت وبكت وتعالى نحيبها، شعرت باقتراب آخر نحوها، صرير عجلات سيارة دليل على توقفها فجأة وأقدام تهرول ناحيتها، رجل آخر، لا ليس ثانية، ولكنها لمحت عيون قلقة وخائفة من بين انفراج جفنيها، اقترب منها سائلًا إياها عما حدث معها ولكنها كانت تائهة بعالمها، والآن انهارت جميع قواها وسقطت مغشيًا عليها، الآن فقط استسلمت للهوة السحيقة التي يسحبها عقلها إليها، فلم يعد هناك ما تخسره أو تخاف عليه خلع الجاكت الذى كان يرتديه وألبسها إياه محاولًا ستر ما تفضحه ملابسها الممزقة، حملها بين ذراعيه واضعًا إياها بالمقعد الخلفى لسيارته، وانطلق بها مسرعًا نحو المشفى وبين الفينة والأخرى تحين منه التفاتة ناحيتها، يجدها ما زالت بغيابها، يلعن من أودى بها إلى هذا المصير، يشعر بالشفقة ناحيتها وشئ يمزق قلبه لا يعلم كنهه فور أن وصل إلى المشفى ترجل من سيارته حاملًا إياها بين ذراعيه صارخًا بطلب طبيب، تهرول إليه ممرضة دافعة أمامها سرير نقال، وما إن وضعها عليه حتى سمع شهقة صادرة من الممرضة متبوعة بإسم : دكتورة نسمة!!! ************************** لقد بدأ عقلها يستيقظ من غفوته، تستشعر وجود والديها بالغرفة ولكن جفنها يأبى الانفراج، كيف ستواجههم حتى وإن كانت هي الضحية فهي تشعر بالقهر لما حدث لها صوت الطبيب وهو يحدث والديها يصل إلى مسامعها، يشرح لهم ما حدث معها، فليصمت فهي لا تريد سماع المزيد، فليبتعدوا لا تريد أن تستمع إليهم، يكفيها ما عايشته، والآن يقص عليهم شهامة من أوصلها إلى المشفى، يخبرهم بجلوسه فى غرفة الاستقبال منتظرًا الاطمئنان عليها، تستمع إلى صوت بكاء والدتها ، تتخيل نظرة ابيها المنكسرة فتحت عينيها لتجد أنها حبيسة غرفة مشفى كانت فيه دائما هى الطبيبة واليوم هي المريضة، ولكن مرض أزلي، شرف قد دُنس دون ارادتها لمحت والدتها استيقاظها فهرولت إليها تحتضنها ولكنها صامتة بين ذراعيها كجثة هامدة، دموعها المنسابة بصمت على وجنتيها وتحرك بؤبؤ عينيها يوحيان بأنها ما زالت على قيد الحياة ولكن روحها قد نُحِرت اقترب الطبيب يتفحصها ولكنها انتفضت مبتعدة لا تطيق اقترابه منها، بل تخشاه، انكمشت بحضن والدتها يتعالى صوت بكائها و نحيبها، تحاول والدتها تهدئتها ولكن دون فائدة ظهرت صديقتها (نيرة) بباب الغرفة، (نور) كانت تريد مصاحبتها ولكن قدوم بعض النسوة لتقديم التعازي قد عرقل مجيئها كما أن دينها يمنعها أن تخرج من منزلها قبل أن تقضي عدتها، أما (ندى) فلا تجيب على هاتفها اقتربت منها (نيرة) والدموع تغرق عينيها، حزينة لحال صديقتها، ترى خوفها باديًا فى انكماشها بأحضان والدتها، استمعت إلى الطبيب يخبرهم : أنا من رأيى نعرضها على طبيب نفسي، هتحتاج لدا الفترة الجاية أعطاها الطبيب حقنة مهدئة لحين قدوم الطبيب النفسي، وحين خروجه لمحه يقف أمام الغرفة، يقف مستندًا إلى الحائط يظهر بعينيه الحزن لحالها، كان يحاول الاطمئنان عليها، انتبه إليه والدها فذهب إليه وشكره سائلًا إياه إذا كان قد لمح من فعل بابنته هذا وكان الجواب بالرفض تردد في الذهاب، لا يعلم لما تتولد لديه رغبة فى البقاء بجوارها والاطمئنان عليها، يحاول أن يسرق نظرة إليها، ولكنها تدفن وجهها بصدر صديقتها فلم يلمح منها شئ، توجه بالحديث إلى والدها مخرجًا بطاقة تحتوى رقمه واسمه كاملا : دا كارت فيه تليفونى وعنوانى عشان لو حضرتك احتاجت منى اى حاجة لو هتعملو بلاغ تناولها والدها ونظر إلى الاسم المدون بها : شكرا يا أستاذ حازم ***************************** دلفت (ندى) إلى غرفتها والدموع تغرق عينيها، تكاد لا ترى أمامها حتى أنها لم تلق التحية على والديها، تعجبت والدتها من حالتها فذهبت خلفها، وما كادت تفتح باب الغرفة حتى صُدِمت مما رأت، فقد كانت ابنتها تمزق ثوب زفافها ولم تتركه سوى أشلاء هرولت إليها وانتزعته من بين يديها واحتضنتها محاولة تهدئتها وسؤالها عن سبب فعلتها هذه، ولكن نحيب ابنتها ازدادت حدته مما جعلها تنادي زوجها الذى أتى مهرولًا ووقف بباب الغرفة مشدوهًا، وحينها تهادى إلى مسامعه كلماتها التى تخرج بصعوبة من بين شهقاتها : واطي وحقير، أنا سبته، أنا مش عايزاه، أنا واثقة إن قراري صح ظل والديها ينظران لبعضهما، لا يفقهان شيئا مما تتفوه به ولا يقدران على تجميع الخيوط، كل ما توصل إليه فهمهم هو أنه يوجد مشكلة بينها وبين خطيبها حاولت والدتها تهدئتها حتى تقص عليهم ما حدث وقد كانت صدمة لهم ما سمعوه من ابنتهم ***************************** انتشرت الأخبار سريعة كسرعة اندلاع الحريق، وما إن وصله خبر ما حدث معها وهو يشعر بالصدمة، يسأل نفسه إن كان سيتحمل أن يتعايش وينسى ما حدث معها، أم سيبقى هذا حاجزًا فى علاقتهم دائمًا والآن وبعد مرور أكثر من عشر ساعات على الحادث، ها هو يقف أمام غرفتها بعد أن حسم أمره واتخذ قراره طرق الباب ليأتيه صوت والدها يدعو الطارق للدخول، دلف إلى الغرفة تقابله نظرة والدها المعاتبة فقد كان يتمنى أن يكون هو أول من يقف بجوارها فى محنتها، ألقى عليهم السلام وحانت منه التفاتة تجاه النائمة بعمق بتأثير إبرة المهدئ، ثم عاد بنظره إلى والدها : كنت عايز أتكلم مع حضرتك يا عمي لاحظ (منصور) التوتر البادي على خطيب ابنته وتوقع ما سيُحدثه بشأنه : خير يا أيمن! نظر إلى الارض، يعبث بالحلقة الفضية التى تحيط إصبعه، انتزعها يعلنها صراحة : أنا آسف بس مش هينفع نكمل مع بعض، مش هقدر اتعايش و اعدى اللى حصل لم اختار القدر أن تستيقظ فى ذلك الوقت؟ هل لتستمع إلى تخليه عنها بأذنيها؟ أم لتدرك أن الجَراحة الماهرة قد أُصيبت بطعنة في قلبها وتحتاج إلى من يداويها