كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحًا حين سُمع صوت صرير خافت في الطابق السفلي من قصر "رينفيلد"، أحد أقدم القصور الواقعة على أطراف مدينة زيورخ. كانت الرياح تصفر عبر النوافذ القديمة، والضباب يلف الحديقة ككفن رماديّ. في الأعلى، كانت "مارينا" تجلس على طرف سريرها في غرفة لا تزال تحتفظ برائحة والدتها التي رحلت منذ أيام... أو قُتلت، كما بدأت تشك مرت ثلاثة أيام فقط منذ أن عادت من لندن، حيث كانت تتابع دراستها في معهد الفيزياء المتقدمة. تلقت اتصالًا غامضًا يخبرها بأن والدتها، "إيلين دوما"، توفيت في حادث. لم تكن مارينا مستعدة لهذا الحدث، خاصة أن العلاقة بينها وبين والدتها كانت متوترة منذ سنوات، لكن شيئًا في أعماقها كان يخبرها أن ما حدث لم يكن حادثًا عاديًا. نهضت من سريرها وهي لا تزال ترتدي كنزة رمادية وسروالًا قطنيًا خفيفًا. تقدمت نحو النافذة، أزاحت الستار بخفة، وتطلعت إلى الحديقة حيث كانت آخر مرة ترى فيها والدتها حية. هناك، عند تمثال الحورية الحجرية، وُجد جسدها مسجى دون حراك. وعلى صدرها، وُضعت ورقة بيضاء كُتب عليها بخط يد مرتجف: "الكود 17 بدأ. المفتاح في دمك." ظلت مارينا تحدق في تلك الجملة طوال اليومين الماضيين. لم تكن تفهم معناها تمامًا، لكنها كانت واثقة من أنها تحمل رسالة مشفّرة. ومارينا، بذكائها الحاد، كانت تعرف شيئًا عن التشفير. فقد نشأت في بيت تحفه الكتب، وسط والدين كانا باحثين في علم الجينات والتكنولوجيا البيولوجية. هبطت السلالم ببطء، خطواتها تتناغم مع صرير الخشب القديم. كانت الأنوار خافتة، والغرفة الرئيسية غارقة في ظلال الماضي. فجأة، دوى صوت نقرة خفيفة على الزجاج الخلفي. توقفت، وضربات قلبها تسارعت. اقتربت بحذر من الباب الزجاجي. سحبت القفل، وفتحت الباب قليلًا. في الظلام، لمحت شخصًا يرتدي معطفًا أسود وقبعة واسعة تخفي ملامحه. ناولها ظرفًا صغيرًا دون أن ينبس بكلمة، ثم اختفى كما ظهر. أغلقت الباب بسرعة، وأسرعت إلى غرفة المكتب. فتحت الظرف، ووجدت داخله صورة قديمة لوالدتها وهي تقف بجانب رجل مجهول، يرتدي زيًا عسكريًا. خلف الصورة، كُتب: "المرحلة الأولى من الكود تبدأ حين تتذكرين من تكونين." شهقت مارينا... الجملة الثانية! ولكن ماذا تعني؟ ولماذا يُذكر "الكود" مرة أخرى؟ في تلك اللحظة، عادت الذكريات إليها كصفعة. تذكرت وجه ذلك الرجل. لم يكن غريبًا بالكامل... كان هناك شيء مألوف. وجهٌ رأته مرة في مختبر قديم كانت تتردد عليه وهي طفلة. تذكرت الآن: كانت تلك المؤسسة التي كانت تعمل فيها والدتها، والمعروفة باسم "INBIO-X"، مركز أبحاث بيولوجي سريّ تم إغلاقه منذ عشر سنوات بعد فضيحة أخلاقية تتعلق بتجارب على أطفال. جلست مارينا على الأرض، وبدأت تتنفس بسرعة. ماذا لو كانت هي أحد أولئك الأطفال؟ ماذا لو أن حياتها كلها كانت كذبة؟ رنّ هاتفها فجأة، مما جعلها ترتجف. نظرت إلى الشاشة، وكان الرقم مجهولًا. ترددت للحظة، ثم أجابت. "مارينا دوما؟" جاء صوت رجل عميق وهادئ. "نعم، من يتكلم؟" "ما يحدث ليس صدفة. الكود 17 ليس فقط شيفرة... إنه برنامج. وأنتِ مركزه." "من أنت؟" "اسمي ليس مهمًا الآن. لكن إن أردتِ النجاة، يجب أن تغادري القصر خلال ساعة. هناك من يبحث عنك، ولا وقت للشرح." "ماذا؟ لماذا؟" "لأنهم بدأوا تفعيل البرنامج. ودمك... هو المفتاح." ثم انقطع الاتصال. وقفت مارينا مذهولة، تحدق في الهاتف. قلبها ينبض بقوة لم تعرفها من قبل. شيء بداخلها تغير. الغموض حول والدتها، الورقة، الصورة، الاتصال... كل شيء يشير إلى أنها ليست فتاة عادية. بل قد تكون ضحية لتجربة ما. وفي اللحظة التالية، سمعت زجاج نافذة الطابق العلوي يتحطم. هناك من دخل البيت. أمسكت مفاتيحها، وشمعة طوارئ صغيرة، وانطلقت نحو الباب الخلفي. لكن قبل أن تغادر، تذكرت الصورة. عادت بسرعة، التقطتها، ونظرت إليها مرة أخيرة. خلفها، في الزاوية السفلية، كان هناك رقم بالكاد يُرى: 1717. خرجت مارينا إلى الظلام، لا تعلم إلى أين تتجه، ولا من تثق به. كل ما تعرفه الآن أن هناك برنامجًا يسمى الكود 17... وأنها جزء من شيء أكبر بكثير مما تخيلت. ---