كان الجو خفيفًا في صباح مزدحم، والباص يتحرك بهدوء في شوارع المدينة. الكل منشغل بعالمه الصغير: سماعات، شاشات، تأمل في النافذة، أو مجرد صمت. وسط الزحام، وقفت فتاة بملامح هادئة وعينين تملؤهما الحياة. هي شمس طالبة جامعية، تنتظر أن تصل لمحطتها مثل الجميع، لكنها كانت مختلفة... كانت تلاحظ. ركب الباص رجل عجوز، ظهره منحني وعيناه تبحثان عن مقعد، لكن الباص ممتلئ. وقف بجانب شمس، يتشبث بالعمود بصعوبة. نظرت حولها، ثم رفعت صوتها بثبات: "يا جماعة، واحد يقوم منكم ويخلي هذا الكبير في العمر يجلس، مو معقول كذا!" لكن لا أحد رد. نظرات باردة، وسماعات تُعاد رفعها، وكأن النداء لم يُسمع. شمس تقدمت خطوة للأمام، وأشارت نحو شاب جالس: "أنت، قوم وخليه يجلس... تراه قد أبوك." رد الشاب دون أن يرفع رأسه: "أنا تعبان، ومشغول... خله ينتظر زي الباقي " قبل أن يتسرب الإحباط، قامت بنت من المقعد خلفي وقالت بهدوء : " اتفضل، اجلس مكاني يا عم." ابتسم الرجل العجوز وقال: " الله يرضى عليكِ، ما قصرتِ." التفتت شمس للبنت، وقالت بإعجاب: "والله إنك بطلة... شكراً لك، هذي هي الشجاعة الحقيقية." ابتسمت البنت وقالت: " أنا اسمي شهد، طالبة جامعية ." صافحتها شمس، وابتسموا كأن الدنيا أهدتهم لحظة صداقة جميلة، بدون تخطيط. لكن ما كانوا يدرون… إن فيه عيون تراقب بصمت. عيون تحفظ التفاصيل، وتكتب الأحداث في عقل مظلم، يجهز لشيء لم يُكشف بعد.